• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م
  01:56    لافروف: روسيا ستدعم عملية الجيش السوري ضد أي مقاتلين معارضين يبقون في شرق حلب         02:36     وزارة الدفاع الروسية تعلن تحطم طائرة سوخوي-33 خلال هبوطها على حاملة طائرات في البحر المتوسط     

لماذا لم تتحوّل أخبار الولادات إلى أخبار رسمية للإنسانية؟

الشاشات.. الأولوية للقتل

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 30 يوليو 2015

فتحي المسكيني

كيف تحوّل عصر الصورة إلى عصر التصوير الفنّي الرائع لمشاهد القتل؟ وكيف صارت نشرات الأخبار أكبر مناسبة ميتافيزيقية لإعلام بقية الإنسانية وبكلّ اللغات أنّ عدد القتلى قد بلغ إلى هذا الرقم أو ذاك؟ ما هو الدرس الأخلاقي الاستثنائي لخبر القتل؟ هل تمّ اختراع القنوات المرئية من أجل توثيق أكبر ما يمكن من صور الموتى من أجل حفظ ذاكرة النوع الإنساني في المستقبل؟

إنسانية مذعورة

تبدو الإنسانية الحالية مذعورة من موتها. فهي أكثر أنواع البشر ذهابا إلى الأطباء. ويبدو الجسم المعاصر جسما طبّيّا بامتياز. ولم يسبق أن وُضع اللحم البشري تحت مجهر التحاليل والتصاوير مثلما يقع اليوم. وقلّما يوجد شخص مهما كان عمره لم يخضع إلى فحص طبّي أو لم يأخذ دواء علميّا. ومع ذلك، فإنّ أكثر الأخبار تواترا بين الناس هو خبر الموت وعدد القتلى. بل إنّ قنوات الأخبار في كل البلدان قد تحوّلت إلى ضروب نسقيّة من أيّام القيامة تجري على مدار الساعة. كيف نفكّر في هذه المفارقة: إنّ أكثر العصور تقدّما طبّيا هو أيضا أكثر العصور حديثا عن الموت التكنولوجي؟

لقد تمّ تغيير ماهية الموت وتمّ تحويله بشكل نسقيّ إلى قتل. شعوب بكاملها مجهّزة ومهيّأة من أجل القتل. ويكفي أن تنفلت جرثومة من معقلها في أحد المخابر حتى تتحوّل قطعة واسعة من هذه القارة أو تلك إلى مسرح للموت النسقي. ويكفي أن تندلع حرب، مهما كان نوعها، حتى تتحوّل الأجسام البشرية إلى مواد اشتعال عضوية للقتل. وقلّما نسأل: لماذا تحوّل الجزء الرسميّ من خبر العالم إلى خبر عن الموت وعن عدد القتلى؟

يشبه هذا السؤال أن يكون إنكاريّا. إنّ القصد هو بالفظاظة اللازمة: لماذا لم تتحوّل أخبار الولادات إلى أخبار ميتافيزيقية رسمية للإنسانية الحالية؟ كأن نسمع مثلا في نشرة أخبار هذه القناة العالمية أو تلك: إنّ عدد المولودين هذا اليوم على الأرض هو بمعدّل أربع ولادات في الثانية (كما كان الحال مثلا في سن 2014)؟ ألا يكون ذلك خبرا ميتافيزيقيا سارّا؟ وأحسن وقعاً من أيّة أخبار صحيحة وموثّقة بالصورة والصوت عن عدد القتلى؟ لماذا لا يكون خبر ولادة طفلة في ركن من الأرض أنبل من كلّ أخبار الدول؟ ولماذا لا يكون ضحك طفل يركض وراء كرته في شاطئ قارة أكثر وعداً بالسعادة من أيّ خطاب رسميّ حول عدد الموتى؟ أجل، لطالما أرّخت الشعوب القديمة بموتاها. موت الإمبراطور الفلاني أو الملك الفلاني، كان يُعتبَر حدّا تاريخيا عن عصر آخر. لكنّ ولادة الأنبياء كانت خبرا تنبني عليه كلّ أنواع المستقبل. ولا ننس أنّ تاريخ الحداثة يحرص على تسمية نفسه تاريخا «ميلاديّا» (!). كيف نفسّر تاريخيا ميلاديّا ليس له من موضوع مفضّل سوى تجارب الموت وعدد القتلى؟ ما ينبغي التساؤل حوله هو: ما طبيعة الدرس الأخلاقي الذي يكمن وراء اعتبار خبر القتل في الأصقاع المختلفة من العالم أولويّة إعلاميّة على مستوى الإنسانية؟

انزلاق منهجي ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف