• الجمعة 07 ذي القعدة 1439هـ - 20 يوليو 2018م

ذاكرة الرواة

السفن الخشبية تبحر في أعماق الأصالة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 24 نوفمبر 2017

أبوظبي (الاتحاد)

تقول الباحثة التراثية مريم جمعة في كتاب «دراسات في تراث الإمارات عراقة وأصالة: «لقد استفاد صناع السفن في رأس الخيمة وكل الإمارات من شجرة النخيل، فصنعوا من ليفها الحبال، بطريقة يدوية، حتى صارت من الصناعات الأساسية وتوارثوها، وقد أكسبتهم هذه الخبرة في صناعة السفن من التنقل عبر المحيط الهندي والبحر الأحمر دون أن يجدوا صعوبة في إصلاح سفنهم، وكانوا متمكنين من إصلاحها في أي ميناء، وكانت بعض السفن عند إصلاحها تحتاج إلى فك جميع ألواحها، وإعادة تثبيتها بعضها إلى بعض بخيوط جديدة، وكانت هذه الخيوط أشبه بما نسميه في الوقت الحاضر «قطع غيار الآلات» متوافرة في كل مكان على امتداد الطرق البحرية التي يرتادها بحارة الخليج، وتساعد على إصلاح السفن بسرعة، وتهيئتها لاستئناف الملاحة دون إبطاء قد يضر باقتصاد الربان نتيجة انتهاء مواسم هبوب الرياح.

خيوط الليف

وارتبطت بصناعة خيوط الليف صناعة أخرى مهمة لاستكمال شد الألواح الخشبية بعضها إلى بعض، إذ كانت الثقوب التي تدق في أطراف الألواح تحتاج إلى طلاء لسد ثغراتها بعد غرز الخيوط فيها، وكان يستخدم في هذا الطلاء الشحم الذي يستخلص من حيتان المحيط، وإذا تعذر وجود الحيتان فإنه يستخلص من أسماك القرش التي تعرف بالقراقير في الخليج.

ويعرف صاري السفن عند أبناء الخليج باسم خاص هو «الدقل»، لأن كلمة صاري استخدمت في سفن البحر المتوسط ومعنى الدقل في الأصل هو «جذع النخلة» مما يدل على الطابع المحلي لهذا الجزء الهام من السفينة.

ومن المعروف تاريخياً أن الشراع المستخدم في سفن الخليج مثلث الأضلاع، وهو مظهر مهم ظهرت به سفن الخليج منذ عصور قديمة جداً، ويمكن أن تكون هناك علاقة فنية في الهندسة التي أوجدها الملاحون بين نوعية الشراع وتحديد حجمه، وبين الدفة أو «مسكان» السفينة، لأن كلا الاثنين مرتبط بالآخر في عملية تغيير اتجاه سير السفينة بسرعة مذهلة، وقد استفاد الملاحون من هذه العملية في المناورات البحرية لأن تحويل مجرى السفينة يتطلب مرونة وقدرة ربان السفينة.

خبرات وتجارب

وكل هذه الشواهد والتحليلات تدل على أن ملاحي الخليج بصفة عامة وملاحي رأس الخيمة بصفة خاصة، كانوا ذوي كياسة ومعرفة اكتسبوها من خلال خبرات وتجارب آبائهم، فكان الملاح على معرفة بالجغرافيا والفلك والصناعة والتجارة في آن واحد، وقد كرسوا كل هذه الطاقات في صناعة مراكبهم.

لقد بدأت صناعة السفن الخشبية التقليدية في رأس الخيمة بالاندثار نتيجة اعتماد الناس على السفن الحديثة، وهو في الحقيقة يشكل خطراً على توقف هذه الصناعة التراثية وبخاصة بعد رحيل عدد كبير من رواد صناعة السفن من الشواب والمخضرمين من رجالات الرعيل الأول، حيث لم يبق منهم إلا القليل، وهذا يعني أن هذا التراث الضارب الجذور في منطقة رأس الخيمة وغيرها من إمارات الدولة، والذي يؤرخ لماض أصيل لأبناء دولة الإمارات قد يتأثر.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا