• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

صفقة النووي.. خطة الخروج من الشرق الأوسط

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 20 يوليو 2015

من بين اللحظات السيريالية التي تلت الصفقة النووية مع إيران يوم الثلاثاء، تلك المتعلقة بالاستنتاج شديد الغرابة الذي خلص إليه خطاب الرئيس أوباما. فبعد أن تحدث عن الوعود التي يمكن أن توفرها الصفقة في مجال زيادة المراقبة والشفافية، والحدود التي تضعها على قدرات إيران في مجال تخصيب اليورانيوم، ركّز على أهميتها للقيادة الأميركية للعالم قائلاً: «التاريخ يبين لنا أن أميركا يجب أن تقود ليس بقوتها فحسب وإنما بمبادئها» وأضاف: «فذلك التاريخ يظهر أننا نكون أكثر قوة ليس عندما نكون وحدنا، وإنما عندما نقوم بجمع دول العالم معاً.. وإعلان هذا الاتفاق اليوم يمثل فصلاً آخر إضافياً في سعينا الدائب من أجل عالم أكثر أمناً، وأكثر تعاوناً، وأكثر أملاً».

تلك عبارات تروق لمستمعيها، لكنها أيضاً عبارات خادعة. فالاتفاقية التي تم التوصل إليها في فيينا، ليست فصلاً في التقاليد الأميركية الطويلة الأمد في مجال السعي إلى عالم آمن، ومتعاون، ومفعم بالأمل؛ وإنما تمثل تخلياً عن القيادة الأميركية التقليدية في الشرق الأوسط، وفي مجالات عدم الانتشار النووي، والإرهاب.

كيف؟ لأسباب عديدة منها: أولاً؛ أن هذه الاتفاقية ستؤدي إلى فك التجميد المفروض على ما يمكن أن تصل قيمته إلى 150 مليار دولار في صورة أصول مملوكة للنظام الإيراني، الذي أهمل اقتصاده كي يتمكن من مساندة الدكتاتور السوري في الحرب التي يخوضها ضد مواطنيه بمليارات الدولارات. وكان رد الفعل الأولي على ذلك م من حلفاء أميركا التقليدين في الشرق الأوسط مزيجاً من الصدمة والرعب.

ورغم أن المؤيدين للصفقة يعترفون بأن هذه الحقيقة قد تدعو للأسف، ويتحججون بأن المكاسب طويلة الأمد التي تحققها الاتفاقية في مجال مكافحة عدم الانتشار النووي، ستعوضها، من خلال الحد من قدرات إيران على التخصيب، والسماح للمفتشين بدخول المواقع العسكرية المشتبه بها؛ إلا أنهم يتجاهلون شيئاً مهماً في هذا الصدد وهو أن الصفقة تترك معظم البنية الأساسية النووية الإيرانية قائمة في مكانها، بما يمكن إيران من تخصيب اليورانيوم مستقبلاً.

وفي النهاية، هناك أيضاً مشكلة الإرهاب: فمنذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر، سعت أميركا إلى عزل ومعاقبة الدول الراعية للإرهاب، وكانت تضع إيران على رأس تلك الدول. لكن الصفقة التي أبرمها أوباما مع النظام الإيراني ستؤدي ليس إلى جعله أكثر قدرة من الناحية المادية فحسب، ولكنها ستمده بالشرعية السياسية من دون أن تطلب منه إنهاء دعمه للإرهاب. ورغم كل نواحي الضعف تلك، فإن الصفقة الإيرانية قد تكون ذات قيمة إذا ما أوفي نظام طهران بوعده وأصبح تدريجياً أكثر اعتدالاً مما هو عليه الآن. فحينئذ سيمكن القول إن أوباما قد نجح في إبعاد أكثر الأسلحة خطورة عن أيدي أكثر الأنظمة خطورة في العالم.

لكن الفائدة الحقيقية لتلك الصفقة -على الأقل من منظور أوباما- هي أنها تمهد الطريق للخروج النهائي لأميركا من الشرق الأوسط، وذلك بعد أن وصلت القيادة الأميركية لحدودها في هذا الجزء من العالم الذي أصبح أقل استقراراً وأكثر خطورة مما كان عليه قبل الوجود الأميركي فيه الذي استمر أكثر من عقد بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001. وإذا ما كانت هذه هي الحقيقة التي لا مراء فيها، فيتعين على أوباما أن يكون مستقيماً معنا، ويقر صراحة بأن تلك الاتفاقية ليست تأكيداً للقيادة الأميركية مثلما يقول، وإنما هي اعتراف بالإنهاك الذي وصلت إليه.

إيلي ليك*

* كاتب ومحلل سياسي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا