• الثلاثاء 04 ذي القعدة 1439هـ - 17 يوليو 2018م

من روما إلى فلورنس.. حوار عن النظام والطعام وما بينهما

دروس المدن الإيطالية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 16 نوفمبر 2017

د. هند السليمان

الغريب يزور مدينة للمرة الأولى كيف له أن يفهمها؟ كيف تُفهم المدن؟ هل زيارة معالمها السياحية الشهيرة بمتاحفها وأسواقها وتذوق طعامها كافٍ؟ وإن أراد أن يكون سائحاً ذكياً، هل زيارة الأزقة الضيقة والأماكن المخفية عن السائح هو ما يجعلنا نفهم روح المدينة ونتذوق نكهتها؟ الإجابة بلا أو نعم مضللة في كلتا الحالتين، فسؤال كهذا يلزمنا فهم المدينة وتعريفاتها بمفهومها لا الجغرافي المادي فقط بل والثقافي والنفسي، ولأن تعريف المدينة قد يكون محله أحد الأبحاث، فسنحاول هنا الإجابة على السؤال واضعين في الاعتبار أن للمدينة تعريفات متعددة الزوايا والطبقات، كما بنية المدينة ذاتها، ولعل أحد أفضل الطرق هو أن يقدم كل شخص تعريفه الخاص للمدينة، بما يعكس تجربته كما شكلته المدينة في مخيلته ووعيه.

في رحلة ما بين روما وفلورنس تجدك تغوص ما بين قصص التاريخ والآثار في روما، والفن وعظمة الإنجاز البشري في فلورنس. إلا أن ما يهم وما يثير الخيال حقاً في رحلة كهذه هو التعرف أكثر إلى الإنسان. مراقبة كيف يحيا الناس حيواتهم ضمن اشتراطات مختلفة، وهل فعلاً تختلف الاشتراطات أم أننا نتصورها كذلك؟ المشي في أزقة روما والتجول بلا هدف غير اكتشاف شوارعها، تنظيمها، نوعية وطبيعة مُشاتها، وما يكشف هذا عن البنية الذهنية لسكانها، هو ما يمنحك فرصة أعمق للاقتراب من روح المدينة. في الزيارة الأولى لمدينة جديدة، أول ما أفعله هو الحصول على خريطة المدينة ثم وضع علامة لموقع سكني على الخريطة، لتبدأ جولة الاكتشاف سيراً على الأقدام بلا هدف محدد. الخريطة لن تكون مرشداً في التجوال، بل فقط لإيجاد طريق للعودة للسكن حين تنتهي الجولة بانقضاء اليوم. أُخرج الخريطة وأسأل أحد المشاة أين هي أقدامي على الخريطة، لأتبين من ذلك طريق العودة إلى السكن. قد أضيع قليلاً حتى أصل للسكن ولكن في الضياع بعض من الاكتشاف.

حب ونفور

ما هي المدينة، إن لم تكن المنتج المادي لمجمل ذهنية سكانها؟ كل مدينة هي انعكاس أو تمثيل للبنية العقلية لساكنيها. لذا، بعض المدن حين ندخلها نقع في غرامها مباشرة وبعضها نشعر بنفور لا يمكن تفسيره، مع أن المدينة تعج بالأماكن السياحية. مدن أخرى نقع معها على الحياد المتشكك، إنه موقفنا ذاته من الأفراد الغرباء. ردة فعلنا هذي لا تأتي من جودة المنتج السياحي للمدينة، بل كيف يُلون سكان المدينة منتجهم، وذلك وفق تصوراتهم الذهنية وطبيعة انفعالاتهم. وإن وجدنا في تلوينهم هذا، ما يروقنا، أحببنا المكان والمدينة.

في روما، أمران جديران بالملاحظة: غياب المباني الزجاجية تماماً عن فضاء المدينة، وتلازم هذا مع غياب ستاربكس بشكل كامل عن المدينة! الأمر الآخر، علاقة سكان المدينة بالطعام، فأهلها يشربون الكحول كثيراً ولا يسكرون، وكذلك يأكلون كثيراً ولا يسمنون! منذ وجبة الغداء في الثانية ظهراً تجد كؤوس النبيذ تُقدم، وحين تتجول في المدينة متأخراً إلى ما بعد منتصف الليل لا يصادفك السكارى. الأمر نفسه مع الأكل، الخضراوات والفواكه قليلة في المطبخ الإيطالي، بالمقابل تحضر المعجنات من الباستا إلى الحلويات ومع هذا فسكانها يجوبون المدينة بأجساد معتدلة جداً. فما السر هنا؟ ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا