• الأحد 09 ذي القعدة 1439هـ - 22 يوليو 2018م

خواطر في فن التجسس وصناعة العدو من «راحاب» إلى «هوفر»

الآذان الكبيرة..

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 16 نوفمبر 2017

د. العادل خضر

تظل سيرة رجل الـ«أف.بي.آي، FBI» (مختصر مكتب التحقيقات الفيدرالي، Federal Bureau of Investigation) الشهير، ومؤسسها الفعلي، ورئيسها الأول جون إدغار هوفر John Edgar Hoover (من غرّة يوليو 1935 إلى 2 مايو 1972، وهو يوم وفاته) محفوفة بالغموض، ومثيرة للاهتمام لارتباطها الوثيق بتاريخ مؤسّسات الحكم بالولايات المتّحدة الأميركيّة وأمنها القومي قبيل الحرب العالميّة الثّانية وأثناء الحرب الباردة.

لفتت هذه السيرة، في السنوات الأخيرة، أنظار الكاتب والمخرج الفرنسي مارك دوغان Marc Dugain، الذي نشر سنة 2005 رواية عنوانها «لعنة إدغار»، «La malédiction d›Edgar»، أخرجت للسينما سنة 2013. وقبل ذلك بسنتين أخرج كلينت إيستوود Clint Eastwood عن الشخصية عينها فيلما بيوغرافيّا عنوانه «ج. إدغار، «J. Edgar»، انطلقت أحداثه من أيّام هوفر الأخيرة لما كلف بعض الأعوان الشبان بكتابة مذكراته. وهي في الجملة تتعلّق بسيرة هذا الرجل المشحونة بالتفاصيل الشخصية المتعارضة. فهو وإن ربته أمه «آنّا ماري» على الاستقامة واحترام القيم التقليدية، وظل يعيش معها في بيت العائلة إلى حين وفاتها سنة 1938، فإن حياته الشخصية لم تخل من بعض الشبهات والشائعات حام جميعها على علاقته المثلية بكلايد تولسون Clyde Tolson، المدير المساعد في «أف.بي.آي، FBI» وذراعه الأيمن، ورفيق دربه طيلة أربعين سنة، ووريثه، دون أن ننسى ميله إلى التنكّر بلباس النساء في بعض الحفلات الخاصة.

فوق الشبهات.. وتحتها

ورغم كل هذه الأراجيف، لم تتأثر سمعة هوفر بشيء من ذلك، فقد ظل على رأس هذه المؤسسة ما يناهز الخمسين سنة عاصر فيها وخدم سبعة رؤساء، من كالفن كوليدج Calvin Coolidge إلى ريتشارد نيكسون Richard Nixon. وكان يستمد نفوذه من موهبته في تكوين الملفات أيام كان يرأس، سنة 1917، فريقاً مختصاً في الاستخبار عن البلد العدو Enemy Aliens Registration تابعاً لوزارة العدل. وإثر نهاية الحرب العالميّة الأولى، عُيّن سنة 1919 مديرا لقسم جديد سمّي «General Intelligence Division» يُعنى بتكوين فهرس عامّ بملفّات خاصّة عن أشخاص ينتمون إلى جماعات متطرّفة، ضمّ بعد بضع سنوات من العمل 450 ألف اسم، منهم ستّون ألف شخص اعتبروا، حسب الملاحظات البيوغرافيّة المضمّنة في ملفاتهم، عناصر بالغة الخطورة. ولمّا أصبح هوفر على رأس «أف.بي.آي، FBI» سنة 1935 شرع في تكوين ملفات خاصة عن الأعوان الذين كانوا يشتغلون معه في المكتب، ثم ملفات سرية في غاية الخصوصية عن الشخصيات السياسية، تتعلق بحياتهم الحميمة وعلاقاتهم الغرامية وخياناتهم الزوجية. وهي ملفات سرية لأنها لم تدرج بصفة رسمية في أرشيف «أف.بي.آي، FBI»، ولكن هوفر كان يستغلها لتقوية نفوذه السياسي. ولم يبق من هذا الميراث السري شيء، لأن كاتبته الوفية هيلين غاندي Helen Gandy قد أتلفت كل الملفات في السنوات التي عقبت مماته، فلم يبق مما كان يُسمّى بـ«نظام هوفر» أثر. وقد اتهم إدغار هوفر مراراً كثيرة باعتدائه على الحياة الخاصة للكثير من الشخصيات البارزة كالزعيم مارتن لوثر كينغ Martin Luther King، والممثلة السينمائية مارلين مونورو Marilyn Monroe، والمغني فراك سيناترا Frank Sinatra، لما تنصت عليهم، على نحو غير شرعي، بزرعه لميكروفونات صغيرة، في مقرّ إقاماتهم المختلفة، كانت تلتقط من أحاديثهم كل كبيرة وصغيرة.

هذا الإنصات غير شرعي، لأنه يجري من غير علم الآخر، ورغم أنفه، ودون إذنه وموافقته. وعندما يجري الإنصات بهذا الأسلوب فإننا، بهذا الصنيع، نُزاول بعلم منا أو دون علم، ثاني أقدم مهنة في تاريخ البشرية، وهي التجسس، أو التخبّر. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا