• الثلاثاء 04 جمادى الآخرة 1439هـ - 20 فبراير 2018م

مدفع وفانوس وقصص وسير شعبية وللقرآن بطولة مطلقة

أبطال الليالي الرمضانية..

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 18 يوليو 2013

شهـيرة أحمـد

الصوم مجاهدة روحية لا تخلو من قسوة، لأنها تسير ضد تيار الطيني المنجذب إلى الأرض آخذه إياه إلى العلوي الذي تنجذب إليه الروح... وما من شيء مثل الصوم الحق يجلّي كمالات الوجود الإنساني ورحابته... وما من شيء مثل القرب أو المبالغة في القرب يجلو عن الأرواح الصدأ ويزيل الأدران والاتساخات المادية. ففي الصوم يستحضر الصائم الله بشكل دائم، أو هكذا يفترض، بحيث يخضع سلوكه كله لأوامره التي تخالف الشهوة وتقسو على الجسد، ولهذا ينصرف المؤمن إلى مجاهدة النفس يقويها بالفضائل الروحية ويستخرجها من بين فكي القوى البدنية والغرائزية.

في مجاهدته تلك، يحتاج المرء إلى وسائل دفاعية، تعينه على محاربة سطوة الغريزة، وليس سوى الإرادة النابعة من الإيمان ما يفعل ذلك.. وتتجلى هذه الإرادة في الصوم تحديداً لأنه يقلب حياة المؤمن رأساً على عقب، يقلب نهاراته ولياليه ويعيد ترتيب أولوياته وبرامجه واهتماماته.. لهذا ينظر الفلاسفة والمفكرون إلى الصوم عموماً بوصفه نوعاً من التدريب الروحي الذي يستدعي الصبر، ويحتاج إلى إيمان عميق بحيث يجعل صاحبه يجد في الصعوبة حلاوة، ويتذوق في عزّ جوعه طعم الشبع الروحي.. من هنا، قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ)، قد قيل: إن معنى الصبر في هذا الموضع: الصوم، والصوم بعض معاني الصبر عندنا. ولهذا قال بعض السلف: أهون الصيام ترك الشراب والطعام. فهذه أولى درجات الصوم لأن الصوم في عمقه يعني الصوم عن الأذى والسيئات بكل أنواعها ما ظهر منها وما بطن.

يقدم لنا الصوم منحة جميلة هي حرية أن نتخفف من لوثات البدن وحماقاته.. أن نحرر الروح من سجنها ونطلقها في الأعالي.. خصوصاً إذا اقترنت بالعبادات الأخرى كقراءة القرآن قراءة متدبرة، واعية، والصلاة بخشوع، وحب الخير للناس، ففي هذه الممارسات ترتقي الروح وتأخذ الجسد إلى منازلها العالية.. تجرده حتى يشف فيصير خيطاً في ضوء عميم أو موجة في بحرِ نورٍ منداح في اللانهائي.. في الصوم تكسر الروح قمقمها وتغادر القلوب عتمتها لتدخل في النورانية.. تاركة وراءها حجب الظلمة التي تحجبها أحياناً عن فرادتها وإنسانيتها الخاصة... هكذا فهم المسلمون الصوم في بداية الدعوة الإسلامية وعرفوه معرفة حقيقية تجلت في الطريقة التي مارسوا بها الصيام.. لكن مع مرور الزمان دخل رمضان في طقس اجتماعي واحتفالي، وانضافت إلى بهجته الروحية بهجات مادية تدخل الفرح إلى القلوب لا سيما الأطفال، وامتلأت لياليه بالحكي والقصص، وظهرت فيه مفردات وطقوس لا تظهر في غيره من الشهور، فصارت علامة من علاماته، وواحدة من أبطاله الذين نستعرض هنا أشهرهم.

القرآن.. بطولة مطلقة

أول أبطال ليالي الشهر الفضيل هو القرآن الكريم بلا شك، وهو صاحب البطولة المطلقة التي لا ينازعه فيها أحد، لا سيما عند المتقين الذين يتخذون منه وسيلة للقرب من الحق جلَّ وعلا، ويرون فيه فرصة للتغيير الداخلي والخارجي، ومراجعة النفس ومحاسبتها والعكوف على إنجاز جردة سلوكية وروحية للعام الذي مضى..

وتحفل الكتب بأخبار وقصص السابقين مع رمضان ممن اعتبروا الشهر الفضيل فرصة كبرى للاغتسال الداخلي، للتكفير عن الذنوب وفعل الحسنات، لتحصيل المغفرة والعتق من النار.. وللتحقق الوجودي الإيجابي. وتجمع على أنهم كانوا يفزعون إلى قراءة القرآن وختمته أكثر من مرة.. وتحكي سير الفقهاء والمحدثين قصصاً تستحق أن تروى في هذا الشهر الفضيل، لأن فيها عظات قيمة وعبراً ثرية. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا