• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

لو تأملت العقل الجمعي العربي أو التركيبة النفسية العربية، فستجد أننا نحب الدنيا ونكره الحياة، لذلك تخلفنا، وأصبحت ثقافتنا وحضارتنا ثقافة وحضارة موت

العابد الأحمق أغرقنا في القاع الأعمق!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 15 يوليو 2015

إنما سمي العقل عقلاً لأنه يعقل الهوى، أي يقيده ويوثقه وثاقاً شديداً - وهو يعقل الشهوات - وإذا كانت أو كان الروح حياة العقل، أي لا حياة للعقل بلا روح، فإن العقل هو الذي يسمو بالروح - والأزمة في الأمة العربية هي ضمور وتآكل العقل الجمعي أو ما يسمى الرأي العام - فالرأي العام العربي أميل إلى تصديق اللا معقول وتكذيب المعقول. وهو عقل جمعي يكره الموضوعية ويرفض الحقائق ويهوى الشائعات والأكاذيب والخرافات. وهذا الميل الغريب إلى كل ما هو شاذ وغير مألوف جعل العقل الجمعي العربي يفرغ كل القيم والشرائع والأديان والعقائد والأفكار من مضامينها وحولها إلى ترهات وخرافات - فالعرب مولعون بالدجل والهرطقة والكهانة وربط كل هذا بالدين - لذلك سيطر عليهم وعلى أفكارهم الدجالون والإرهابيون وتجار الدين والدعاة والعلماء الذين انشغلوا بوصف الجنة وما فيها من لحوم وطيور وحور وأنهار عسل ولبن وخمر - وراحوا يصفون كل شيء فيها دون أن يصفوا طريق الوصول إليها.

ولأن العقل الجمعي، أو الرأي العام في هذه الأمة أخرق وأحمق وطفولي، انطلت عليه الخرافة، وأقبل الناس على الانتحار أفواجاً، خصوصاً غير المتزوجين ليتمكنوا من الزواج من الحور العين دون أن يتكلفوا درهماً ولا ديناراً واحداً.

والحوار المنطقي العقلاني لا يؤتي أكله مع هؤلاء الذين يعيشون في غيبوبة، ولكن الحوار الخرافي والدجلي هو الذي يؤتي ثماره، والذين سيطروا على الرأي العام أو العقل الجمعي العربي، إنما تحقق لهم ذلك بالحوار الخرافي والدجلي؛ لأن الرأي العام العربي يعاني مرض الارتداد الطفولي، فلا تشده إلا حكايات وقصص الأطفال وفكر اللا فكر واللا معقول واللا منطق أو ثقافة الانتحار أو حضارة الموت واليأس والقنوط وعدم تقدير العواقب.

وعدم تقدير العواقب عرض رئيسي لمرض الارتداد الطفولي، فالطفل أو الصبي يمكن أن يقود سيارته بشكل طائش وأرعن من أجل التباهي، وهو لا يقدر عواقب فعله الذي يمكن أن تكون حياته وحياة الآخرين ثمناً له. والملاحظ لكل ذي بصيرة أن مرحلة الطفولة في زماننا تستمر طويلاً ربما حتى الثلاثين أو الأربعين، وأن النضج يتأخر جداً عندنا وقد لا يأتي أبداً، مما يعني ضمور وتآكل العقل العربي. ونحن نمارس كل شيء في حياتنا كأطفال. نمارس السياسة بشكل طفولي، وتديننا تدين أطفال وإعلامنا طفولي للغاية، ونلعب بالنار كالأطفال، ولا ندري أنها حارقة وربما قاتلة. ولا نعرف الفرق بين التمرة والجمرة. ولا نعرف فرقاً آخر أكثر أهمية وهو الفرق بين الدنيا والحياة. ونحن نخلط بين رفض الدنيا ورفض الحياة، وبين الزهد في الدنيا والزهد في الحياة، فنجد الإرهابيين أعداء للحياة، ونحن نظن أنهم أعداء للدنيا. وإذا كان الزهد في الدنيا طاعة وتقوى، فإن الزهد في الحياة معصية وفسق يبلغ حد الكفر. والله سبحانه وتعالى حرم الانتحار تحت أي بند أو عنوان لأنه خلق الحياة لنحبها، وحب الحياة واجب شرعي. ولكن حب الدنيا هو الذي ينقص الإيمان، ولكي نعرف الشيء لا بد أن نعرف ضده فبضدها تعرف الأشياء والحياة ضد الموت.

ولكن الدنيا ضد الآخرة، والمطلوب من المؤمن الحق أن يحب الحياة لا أن يحب الموت وأن يحب الآخرة لا أن يحب الدنيا.

ولو تأملت العقل الجمعي العربي أو التركيبة النفسية العربية، فستجد أننا نحب الدنيا ونكره الحياة، لذلك تخلفنا وأصبحت ثقافتنا وحضارتنا ثقافة وحضارة موت. وكل الشعوب التي حققت التقدم والرقي حققت ذلك لأنها شعوب محبة للحياة وليست محبة للدنيا. والدنيا منتهية أو فانية أو زائلة، ولكن الحياة باقية ومتصلة، تنتهي في الدنيا وتبدأ بلا نهاية في الآخرة. ونحن العرب كارهون للحياة وزاهدون فيها ومضحون بها ونظن وظننا كله إثم أننا كارهون للدنيا وزاهدون فيها. والحقيقة التي لا تقبل الشك أن كل الدماء التي تسيل والأنفس التي تموت والبلاد التي أصابها الخراب في هذه الأمة إنما يحدث فيها كل ذلك من أعداء الحياة وكارهيها وطلاب الدنيا وراغبيها. فنحن نحارب الحياة من أجل الدنيا، وهذا لعمري قاع الفسق والكفر. وليس صحيحاً أبداً أننا نحارب من أجل الدين، ولكننا نحارب من أجل الدنيا. فالدين يقدس الحياة ويأمر بالحفاظ عليها بينما يرغب في الآخرة ويزهد في الدنيا.

من أجل ذلك كتب الله تعالى على بني إسرائيل أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا - وهل بإمكان الإنسان أن يحيي نفساً؟ أليس هذا من أمر الله؟ نعم بإمكان الإنسان أن يهيئ لنفس أسباب الحياة، وأن ينقذ نفساً من الموت والقتل - (ومن أحياها) - هذه الجملة تؤكد أن الحياة غالية، وأن الحفاظ عليها أمر الهي وواجب شرعي. والعرب بكل أسى أحباب الدنيا وأعداء الحياة، ولووا عنق الشرع الحكيم والإسلام الحنيف ليجعلوه عدوا للحياة ومرغباً في الدنيا. وكل هذا العوار العربي مرده إلى غياب أو غيبوبة العقل وهذه الغيبوبة هي أساس كل بلاء ووباء. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما اكتسب المرء مثل عقل يهدي صاحبه إلى هدي أو يرده عن ردى. وقد قال صلى الله عليه وسلم: المرء ولم يقل المسلم، وقال: يرده عن ردى أي هلاك. فحضور العقل هدى وغيابه مهلكة وردى. وأعظم شاهد في هذا المقام ما رواه انس بن مالك، رضي الله عنه، من أن الصحابة أثنوا على رجل عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: كيف عقله؟ قالوا يا رسول الله أن من عبادته.. أن من خلقه.. أن من فضله ... أن من أدبه.. فقال: كيف عقله؟ قالوا: يا رسول الله.. نثني عليه بالعبادة وأصناف الخير وتسألنا عن عقله؟ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إن الأحمق العابد يصيب بجهله أعظم من فجور الفاجر. وليس بعد هذا القول الشريف قول. وآفة الأمة الآن هي في الأحمق العابد، وهي آفة أخطر مليون مرة من فجور الفاجر. والعابد الأحمق يشدنا ويغرقنا في القاع الأعمق، وسنظل هكذا في أمة العرب نجري إلى ما لا ندري.

محمد أبوكريشة*

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا