• الثلاثاء 02 ربيع الأول 1439هـ - 21 نوفمبر 2017م

الفجر القابع تحت طبق فضائي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 09 نوفمبر 2017

عبد العزيز جاسم

1

ليس هناك من شكّ اليوم، أن الإنسان البدائي، إنسان ما قبل التاريخ في العصر الحجري الأول، هو أول فنان حقيقي عرفته الذّاكرة البشريّة، عندما ترك خطوطه ونقوشه ورسوماته ساطعة على الصخور وفي الكهوف والمغاور. بيد أن مدافن العظماء في المقابل، وبحسب ريجيس دوبري، «كانت هي أولى متاحفنا، والموتى أنفسهم أوائل جامعي التحف الفنية»، ويضيف: «ذلك أن تلك الكنوز، من أسلحة وأوانٍ وأوعية وتيجان وصناديق ذهبية وتماثيل نصفية من المرمر وأثاث من الخشب النادر، لم تكن معروضة لأنظار الأحياء [...] وإنما كانت مخصصة لمساعدة الموتى على متابعة نشاطاتهم العادية» (1)؛ أي متابعة حياتهم فيما بعد الموت.

أصل نشأة المتاحف إذاً، وبحسب هذا التصور للحضارات القديمة، لم تكن مخصصة مطلقاً لنظر الأحياء ولا لإمتاعهم، ولم تكن كذلك مشاعاً للعرض والفرجة لعامة الناس، وإنما كانت بيوتاً ومعابد سرّية ومقدّسة للآلهة والملوك والأبطال والقدّيسين، حيث يتساكن فيها الموت والحياة تحت سقف واحد، إنها باختصار، متاحف جنائزية ومغلقة على نفسها، دينية المنحى، ومتعاشقة مع الأسطوري والماورائي والميتافيزيقي، وخارجة عن التاريخ والزّمن الواقعي، وبعيدة تماماً في عزلتها عن الأنظار. غير أن هذه الرؤية وهذه التصورات القديمة والمتقادمة، قد انقلبت تماماً في عصور الأزمنة الحديثة، ولم تعد متاحف اليوم بثقلها الذهبي مجرد معابد سرّية لمقابر العظماء وجنائزهم، وإنما أصبحت ملتصقة بحركة التاريخ البشري وبإيقاع ما هو واقعي وحياتي ولحظوي وجمالي وفني، وقد فُتحت أبوابها أمام جميع الناس، لقد أُسقطت، ثقافياً وفلسفياً، تلك النظرة الميتافيزيقية المتعالية والمسحة الدينية الضخمة التي كانت تغلف متاحف الأمس، وتحولت على أنواعها وتخصصاتها في عالم اليوم، إلى معالم معمارية واقتصادية ومقاصد ثقافية وتعليمية وبحثية وسياحية وترفيهية، ينهل من كنوزها وتحفها ومشغولاتها ومقتنياتها الجميع، إن متاحف اليوم، وخاصة الكبيرة منها والعريقة مثل المتحف المصري في مصر، ومتحف الفاتيكان وأوفيزي في إيطاليا، واللوفر في باريس، والمتروبوليان في أميركا، والأرمتاج في روسيا، والمتحف البريطاني في بريطانيا، قد أصبحت محاضن عالمية لتاريخ الحضارات وفنونها، وبالطبع، وفي هذا السياق، يأتي لوفر أبوظبي الذي سيفتتح رسمياً يوم السبت المقبل، ليضاف إلى هذا الرصيد الحضاري من المتاحف الكبرى في العالم.

2

مرد هذه التقدمة الأولية إذاً، يعود إلى ما تشهده أبوظبي من حدث ثقافي وعالمي كبير، يتعلق بافتتاح مُتحف لوفر أبوظبي. فبهذا الافتتاح القريب والمرتقب للجمهور، تكون عاصمة الإمارات قد خطت خطوة فاصلة كبرى عمّا سبقها من خطوات. خطوة تمكننا ربّما من التمييز بين زمنين: زمن ما فات وما هو آت، في معبر الترقي الثقافي والحضاري للأمم في المحيط العربي والعالمي، غير أن هذا الحدث الكبير، في رأيي، لن يتسنى لنا معرفة أهميته البالغة في العمق، إلاّ إذا قارناه أولاً بوضع الثقافة العربية اليوم، وما يمثله بموازاة ما تعانيه من تحديات جمّة على صعيد الذهنيات المحنّطة، والأفكار التكفيريّة القاتلة، والمؤسسات النمطية المترهلة، والخطط الثقافية البالية وعديمة القيمة؛ التي أفضت كلها إلى هذا الوضع المزري والخطير في جسم الثقافة العربية.

لذا وبهذا الصدد، فلقد كتبت قبل سنوات في مقالة بعنوان «عقلية الحصار»، والمنشورة في كتابي «جحيم نيوتن – الجزء الأول» ما يلي: «في ظل التحديات والمتغيرات الكوكبية التي تعصف بالعالم اليوم، يبدو التفكير في وضع الثقافة العربية، التي أسالت أنهاراً من الحبر حولها، أشبه بالتفكير في مشهد سفينة كبيرة توشك على الغرق، أو ربما غرقت، وها نحن نستعيد ذكرى ذلك المشهد المأساوي المريع الآن، فهذه الثقافة ذات الامتداد الحضاري الكبير، تبدو متشظّية ومترهلة وعاجزة ومريضة، بل ما زالت تمشي وتتمخطر كالسلحفاة العرجاء، في عصر الانفجار المعرفي والعلمي والتكنولوجي المتسارع واللاهث نحو المستقبل. إنها ثقافة متأخرة، مقيدة الأطراف، مأسورة، وليست على ما يرام، هذا على الرغم من بعض الإضاءات العربية اللامعة والنادرة هنا وهناك، بل يمكن القول: بأنها تعيش في أحلك فتراتها، بعدما ابتليت بعقلية الحصار وبجميع الأمراض والأورام القاتلة والمعدية، التي تُوجَّت بهمجية الإرهاب الأصولي المسلَّح وبربريته الوحشية مؤخراً. فما الذي تحتاجه هذه الثقافة المعطوبة إذاً، كي تستيقظ وتنهض وتكتب لها الحياة من جديد؟». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا