• الأحد 30 صفر 1439هـ - 19 نوفمبر 2017م

جسر حضاري بين الشرق والغرب

اللوفر أبوظبي صفعة للظلاميين

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 09 نوفمبر 2017

هاشم صالح

قبل التحدث عن هذا الصرح الشامخ «اللوفر أبوظبي» لنقل كلمة مختصرة وسريعة عن لوفر باريس. ينبغي العلم بأن متحف اللوفر الباريسي هو أكبر متحف في العالم. وهو الذي يحظى بأكبر عدد من الزوار سنويا. وكان همنا بعد وصولنا إلى باريس خريف عام 1976 أن نتعرف عليه من جملة معالم أخرى شهيرة تضمها العاصمة الفرنسية. وهذا المتحف ذو البنيان القديم العريق الذي يفاجئك بحجارته الضخمة وأكاد أقول المخيفة كان في الأصل قصرا لملوك فرنسا. ولكنهم استغنوا عنه بعد أن بنى أعظم ملوكهم لويس الرابع عشر قصر فرساي الشهير خارج العاصمة. ولكن الثورة الفرنسية حولته إلى متحف عام 1793 لكي تعرض فيه الروائع الفنية للأمة الفرنسية. ويقع هذا المتحف الهائل حجما في قلب باريس. وينفتح بشكل طبيعي على حدائق التويلري الجميلة التي تنتهي هي بدورها في شارع الشانزيلزيه، أجمل شارع في العالم كما يقال. وبالتالي فالمنطقة كلها جمال في جمال. انها عبارة عن لوحة فنية من أولها إلى آخرها. بإمكانك أن تزورها كلها دفعة واحدة لأنها امتداد واحد على نفس الخط. وننصحكم بأن تخصصوا يوما كاملا للتعرف عليها. وعلى أي حال ففي الداخل تجدون روائع الفن العالمي وفي الخارج تجدون روائع الطبيعة والحضارة. فحدائق التويلري لا يستهان بها وبخاصة بعد أن جددوها مؤخرا فأصبحت تحفة التحف. وأتذكر أني عندما وصلت إلى فرنسا خريف عام 1976 كان أول همومي زيارة هذه المنطقة الساحرة. هذا بالإضافة إلى قصر فرساي بطبيعة الحال ولكنه يقع بعيدا نسبيا عن باريس. وكان يمثل أسطورة بالنسبة لنا نحن الطلبة العرب بل وغير العرب. ويبدو أن بعض كنوزه سوف تعرض قريبا في متحف اللوفر – أبوظبي.

جناح الفن الإسلامي

لقد استحدثوه مؤخرا، وكان ذلك بمثابة الحدث التاريخي، فقد افتتح جناح خاص بالفن الإسلامي في أكبر متحف في العالم عام 2012 بحضور رئيس جمهورية فرنسا آنذاك: فرانسوا هولاند والعديد من قادة العالم العربي الإسلامي وممثليه. وقد لزمت مدة عشر سنوات لكي يتم إنجاز هذا الجناح الكبير وتكملته. وكلف نحو المئة مليون يورو. وساهم في النفقة الأمير السعودي الوليد بن طلال إضافة إلى العاهل المغربي محمد السادس وآخرين. وهكذا حظي الفن الإسلامي بالمكانة التي يستحقها أو تليق به. هكذا وسعوا من المساحة المخصصة لروائعه الفنية فأصبحت ما لا يقل عن ثلاثة آلاف متر مربع. والهدف من هذا الجناح إظهار قيمة الإسلام وعظمته الفنية والمعمارية على مدار التاريخ. والواقع أن فكرة إنشاء هذا الجناح الكبير تعود إلى عام 2002 والى رئيس فرنسا السابق جاك شيراك. فقد كان يريد إظهار البعد العالمي لمتحف اللوفر التاريخي الذي يحظى بزيارة عشرات الملايين من الزوار سنويا ومن شتى أنحاء العالم. وهل يمكن لمتحف يستحق صفة الكونية أو العالمية أن يخلو من ذخائر الحضارة الإسلامية وتحفها؟

اللوفر في أبوظبي

والآن دعونا نعود إلى موضوعنا الرئيسي بعد هذه المقدمة التمهيدية. ومنذ البداية ينبغي القول بأن متحف اللوفر أبوظبي استغرق إنجازه عشر سنوات أيضا. فقد ابتدأ العمل فيه منذ عام 2007 وسوف يتم تدشينه يوم 11 نوفمبر الجاري. وهو يندرج ضمن استراتيجية عامة للنهوض الثقافي والتفاعل الحضاري بين الإمارات العربية المتحدة وفرنسا. فقد سبقه تدشين سوربون أبوظبي قبل سنوات عديدة. وأصبحت إحدى أكبر وأهم الجامعات في منطقة الخليج العربي. هذا بالإضافة إلى مشاريع ثقافية سابقة أو لاحقة يتعذر ذكرها كلها. ويمكن تلخيص الفكرة الأساسية التي تقف خلف هذا المتحف الكبير وبقية المشاريع فيما يلي: في وقت تكثر فيه الدعوات إلى الانغلاق على الذات ورفض التفاعل الحضاري مع الآخر بل وتكفيره يجيء هذا الافتتاح لكي يشكل صفعة لكل المتطرفين الظلاميين والعنصريين الحاقدين من كلتا الجهتين. إنه رد مفحم على دعاة صدام الحضارات والديانات والثقافات. بهذا المعنى فإن متحف اللوفر أبوظبي يشكل جسراً حضارياً ليس فقط بين الإمارات وفرنسا، وإنما أيضا بين الشرق والغرب أو بين العرب وأوروبا. نقول ذلك ونحن نعلم مدى الإشعاع الحضاري لمدينة النور باريس من جهة ومدى الإشعاع الحضاري لأبوظبي ودبي والإمارات ككل من جهة أخرى. والواقع أن باريس تحظى بإعجاب العالم كله من الناحية الثقافية والفنية. يكفي أن ننظر إلى انبهار السياح الصينيين بها وكذلك الهنود واليابانيين وسواهم. من هذه الناحية فإن إشعاع باريس لا يماثله إشعاع أي مدينة أخرى في أوروبا وربما في العالم كله. حتى لندن على عظمتها لا تستطيع أن تضاهيها. ولا كذلك برلين بطبيعة الحال. بل ولا حتى روما. باريس لها نكهة خاصة لا أعرف ما هي. ويقال بأن الصينيين من شدة إعجابهم بها راحوا يبنون مؤخرا باريس مصغرة عندهم مع برج إيفل! على أي حال فإن تشييد متحف اللوفر الباريسي احتاج إلى 800 سنة لكي يصبح على ما هو عليه الآن. أما متحف اللوفر أبوظبي فلم يستغرق إنجازه أكثر من عشر سنوات كما قال جان لوك مارتينيز رئيس متحف اللوفر في فرنسا. ويبدو أنه بذل كل الجهود بغية إنجاح مشروع اللوفر الجديد في عاصمة الإمارات العربية المتحدة.

ومعلوم أيضا أن المهندس الشهير جان نوفيل الذي بنى معهد العالم العربي في باريس هو الذي صمم وأشرف على تشييد متحف اللوفر في أبوظبي. وهو يعرف جيدا كيف يمزج بين عناصر الحضارة المعمارية الإسلامية العريقة من جهة، وعناصر الحضارة المعمارية الفرنسية الحداثية من جهة أخرى. وبدءا من 11 نوفمبر الجاري سوف يتم تدشين هذا الصرح المعماري الشامخ في عاصمة الإمارات كما ذكرنا. وبعدئذ بأيام قلائل سوف يفتح أبوابه للزوار والجمهور العام. إن مجرد وجوده على أرض الإمارات يبرهن على نجاح استراتيجية الانفتاح الحضاري التي يتبعها قادة هذه الدولة الناهضة منذ سنوات طويلة. ويبرهن أيضا على قدرة العرب على التفاعل الحضاري مع الآخرين. ولكنه يبرهن أيضا على قدرة فرنسا على الإشعاع الثقافي والفني في العالم. فالواقع أن هناك دولا إسلامية أخرى عديدة أصبحت تقلد الإمارات وتفتتح فروعا للسوربون على أراضيها. يضاف إلى ذلك أن مجرد وجود هذا المتحف يبرهن على نجاح الإمارات في تدشين أول متحف كوني وعالمي في العالم العربي. ويبدو أن مساحة القاعات المخصصة لعرض الروائع الفنية فيه سوف تبلغ 8600 متر مربع. وستكون مخصصة لعرض اللوحات والآثار الفنية الخاصة بكل فترات التاريخ وبكل الحضارات الغربية والشرقية، أو العربية والإسلامية على حد سواء. فهناك لوحات لفنانين عالميين كبار من أمثال: غوغان، ومانيه، وبول كلي، وبيكاسو، وآخرين عديدين.. هذا بالإضافة إلى لوحات الفنانين الإماراتيين بطبيعة الحال إضافة إلى الفنانين العرب عموما. وسوف يكون يوم الافتتاح عظيما وبحضور رؤساء الدول الأجنبية وفي طليعتهم الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي يصل الإمارات خصيصا لهذا الغرض. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا