• الاثنين غرة ربيع الأول 1439هـ - 20 نوفمبر 2017م

جزيرة العرب ما قبل الإسلام

تحـرير التاريخ

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 02 فبراير 2017

عبد العزيز جاسم

ها نحن، وفي سنتنا الجديدة هذه، نفتتح موسم ملفاتنا، برحلةٍ معرفيةٍ شيقةٍ إلى الماضي؛ الماضي المنسي المجهول والمختوم بالكثير من التابوهات، لمدارات «جاهلية» العرب وآفاقها. هكذا، تماماً، وكأننا نزور أرضاً أسطوريةً زالت من الوجود، وظلت بقاياها مطموسةً تحت التراب. لكن هذه الزيارة، ليست من أجل أن نتطابق ونتماثل مع ذلك المشهد النوستالجي البعيد، ولا لأن نتأبَّد ونبكي على الأطلال، ونجتر بالتالي هوسنا المرضي لكل ما هو ماضوي وقديم من تاريخنا. إن هذا النمط من التفكير الصمغي والنكوصي والمؤله للماضي التليد، هو بالتأكيد، أبعد ما يكون عن طبيعة تفكيرنا وخطابنا وتوجهاتنا. لأننا ببساطة نعي جيداً، خطورة هذا التفكير الذي يمجد الماضي وحده على حساب معطيات الحاضر والمستقبل، والذي قادنا للأسف إلى اعتقال التاريخ، وتجميد طاقاته، وتصنيم معانيه وأشكاله وبناه وتمظهراته وأبعاده وإبداعاته، وفرغ التاريخ من تاريخيته نفسها، وأدخلنا بالتالي في جحيم الأصوليات وتحجرها، دينياً وأيديولوجياً، عربياً وإسلامياً.

لا، ليس من أجل هذا إذاً، ذهبنا في ملفنا هذا إلى تلك الأعماق البعيدة من تاريخنا؛ وإنما من أجل سببين رئيسين نختزلهما فيما يلي:

أولاً

تسليط الضوء المكثف والكاشف على مرحلة «جاهلية» العرب، المغيبة والمنسيّة، وإبراز ما لها من أهمية تأسيسيّة وتكوينيّة وثقافية ودينية وحضارية في المجال العربي، حيث سبقت ظهور الإسلام بقرون ومهدت له، وبشرت بـ «دلائل النبّوة» وقدوم النبي محمد (صلى الله عليه وسلم). ففي فضاءاتها وبين أطرافها المترامية، ظهرت ممالك ودول كثيرة اتصلت بالثقافات والحضارات الأخرى، عبر طرق التجارة البرّية والبحرية، ونشأت فيها الفنون والآداب وعبقرية اللّغة العربية والكتابات القديمة، وتميزت بتعدديتها الدينية من خلال وجود اليهود والنصارى والأحناف والصابئة وعبَّاد الأوثان، في أراضيها وبين مكوناتها المجتمعية. هذا على الرغم، من أن الكثير من تلك العناصر الثقافية المتعلقة بفترة وثنية العرب، قد انتقلت إلى الفضاء الإسلامي ولم يتم تحريمها أو القضاء عليها؛ كاللّغة العربية مثلاً التي أصبحت لغة القرآن الكريم، واستمرار تقديس الكعبة المشرّفة بعد أن تم تطهيرها من الأوثان والعادات الوثنية، وتواصل مواسم الحج بما يلائم طقوس الدين الجديد وتعاليمه، وغيرها كثير. ولعل هذا يعود إلى أن الإسلام، لم يأتِ أصلاً من أجل تدمير الثقافة السابقة عليه أو محوها، وهناك شواهد كثيرة على ذلك؛ وإنما جاء من أجل تطهيرها، من العبادات الطوطمية المتعلقة بعبادة الأنصاب والأصنام، وتحريم عاداتها السيئة كوأد البنات وطرق المناكحة والزواج الوثنية مثلاً.

ثانيـــــاً

ما من مرحلة تاريخية، لحق بها التقصير وعدم الاهتمام والنّسيان والهدم الأثري والتحريم والتعدّيات اللاتاريخيّة، مثلما لحق بمرحلة وثنية العرب بالذات، حيث امتلأ تاريخها بالكثير من الفجوات والثغرات والفراغات الواسعة التي لم يتم ردمها حتّى الآن، والتي تركت تساؤلات كبيرة حولها. ولعل مرد ذلك يعود، بحسب جواد علي، إلى أن الكثير من المؤرخين العرب القدماء، لم يظهروا مقدرة في تدوين التأريخ الجاهلي، بل قصروا فيه تقصيراً ظاهراً؛ كما أنهم لم يطرقوا كل الأبواب أو الموضوعات التي تخص الجاهلية؛ وإنما اقتصر علمهم فيه على الأمور القريبة من الإسلام فقط. غير أن البحوث الأهم في هذا الشأن والتي جاءت في عصور لاحقة، كانت من قِبَل المؤرخين والآثاريين والمستشرقين الأجانب بالخصوص، الذين أسهموا إسهاماً كبيراً في الإضاءة على جوانب مختلفة من التأريخ الجاهلي الثري حقاً. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا