• الأربعاء 03 ربيع الأول 1439هـ - 22 نوفمبر 2017م
  11:34    بدء اجتماع قوى المعارضة السورية في الرياض لتشكيل هيئة مفاوضات لمحادثات جنيف    

صناعة الحب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 07 نوفمبر 2017

أيُّ سعادة، وأي نعمة ومِنَّة؟ أعظم من سماعك لكلام الله عز وجل وهو يقول لموسى (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي)، هذه صناعة من أرقى أنواع الحب والقرب، والاختصاص والولاية، نعم، إن بعض الصالحين يصنعهم الله على عينه، بحسن أقداره، وجميل اختياره، أولئك الأصفياء الأخيار، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

إن الاصطفاء والاجتباء الرباني لموسى عليه السلام كان لأجل حمل الرسالة السماوية، رسالة الإسلام والسلام، ولأجل نشر ثقافة المحبة والتسامح ليعيش العالم وأفراد المجتمع في الخير والسلام والمحبة، والأمن والأمان، رغم التنوع الحضاري والثقافات المختلفة لشعوب العالم.

سبحان الله هذه الآية مليئة بالمعاني، إنها تعبر عن عناية سماوية، ورعاية إلهية، ولطف رباني. ما هو شعورك وانت تستمع لهذا الخطاب الرباني (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي).

يقول السعدي في تفسيره: «أي أجريت عليك صنائعي ونعمي، وحسن عوائدي، وتربيتي، لتكون لنفسي حبيباً مختصاً، وتبلغ في ذلك مبلغاً لا يناله أحد من الخلق، إلا النادر منهم، فما ظنك بصنائع الرب القادر الكريم، وما تحسبه يفعل بمن أراده لنفسه، واصطفاه من خلقه؟».

إن المحبة التي ألقاها الله تعالى في قلب آسية «امرأة فرعون» كانت السبب في نجاته من بطش فرعون وجنوده (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي)، أي أن الله أحبَّه وحبَّبه إلى خلقه، لذلك إذا أحبَّك الله عزَّ وجل فإن الخلق كلَّهم يحبُّونك، فإذا أحبَّك الخلق فهذه علامة محبَّة الله لك، (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)، أي لتتربى على نظري وفي حفظي وكلاءتي، وكأن الحق تبارك وتعالى يُطمئِن نبيه موسى عليه السلام: لا تخف، فأنت تحت عيني وفي رعايتي، وإنْ فعلوا بك شيئاً سأتدخل.

ما أعظمها من تربية وما أتقنها من صناعة (صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ)، وهكذا تكون نتائج الصناعة الربانية لموسى عليه السلام لكي يعيش في الأرض بسلام ويصنع مع الناس السلام وينشر رسالته للناس بالحكمة والمحبة والرحمة والوئام، فأرسله الله إلى فرعون (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى).

سبحانك يا رب إذا كان هذا هو عطفك بفرعون الذي قال (أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى)، فكيف يكون عطفك بعبد يقول (لا إله إلا الله)، وهكذا كان أسلوب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مع الناس، سمحاً ليناً، لذلك مدحه الله بالرحمة واللطف واللين (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ،). اللطف واللين، والسماحة واليسر هي شعار الدين الإسلامي وميزته الكبرى التي مهدت السبيل أمام دعوته، فأخذت طريقها إلى قلوب الناس وعقولهم، وهذه الخصال من التواضع والرحمة ولين الجانب في التعامل من شيمة حكامنا وشيوخنا الكرام، الذين حكمونا في وطن يسوده السعادة، وقيادة حكيمة نشرت معاني الإنسانية بين الجميع، من دون تمييز بين ديانة أو لون أو جنس.

قدم الإسلام بصورته الناصعة الواضحة، والأدلة الواضحة، قدمه بالقدوة الحسنة، قدمه باليسر، والتسامح، قدمه بالموعظة الحسنة، والنصيحة المخلصة، لا تحقد، ولا تكن عنيفاً، ولا تسلك سبيل المفسدين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، كما يفعل الداعشيون «والقاعديون» و«إخوان المسلمين» و«الصفويين»، ومن دار في فلكهم واتبع سبيلهم.

د. محمد الحوسني

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا