• الاثنين غرة ربيع الأول 1439هـ - 20 نوفمبر 2017م

في ذكرى وعد بلفور

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 06 نوفمبر 2017

مرت علينا قبل أيام الذكرى المئوية على الوعد المشؤوم الذي أصدره وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور بمنح اليهود وطناً قومياً في فلسطين المحتلة، الذي تسبب في قيام أكثر دول العالم عنصرية، عملت على اقتلاع شعب من أرضه، وتفتيت شمله، وإزهاق أرواح أبنائه، وانتهك حرائره، وإهلاك الحرث والشجر والحجر والدواب، من خلال تمكين عصابات صهيونية من اقتراف ابشع الجرائم بحق الفلسطينيين، ودفعهم إلى الهروب من أهوال مجازرهم التي لم يسجل التاريخ أفظع منها. ما اقترفته بريطانيا في فلسطين نتيجة هذا الوعد لا يقلّ بشاعة عما اقترفه ويقترفه الصهاينة الذين مكنتهم بريطانيا من اغتصاب الأرض وتشريد الشعب بعد التقتيل والترويع، فهي المُمَهّد والمُمَكّن لهم، بل أصل وجودهم.

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، بدأ الغرب التفكير في المرحلة القادمة، فهو، على عداوته التاريخية للسلطنة العثمانية، كان يخشى أن يقوم مقامها كيان عربي موحّد يكون أكثر شراً منها على مصالحه الاستعمارية؛ لذا حين اتّجه قادة الثورة العربية الكُبرى للاستعانة بالغرب للتخلّص من سلطة الدولة العثمانية، كانوا كمَن يستجير من الرمضاء بالنار، وفي الوقت الذي تنافست فيه بعض القيادات السياسية العربية في استرضاء الغرب كانت دول الغرب تتنافس في استرضاء اليهود، وقد تقدّمت بريطانيا في هذا المجال على الدول الأخرى حتى ليرى المؤرّخون أنها تقدّمت في الصهيونية على ظهور الحركة الصهيونية نفسها. ولم يكن وعد بلفور أول وعود بريطانيا لليهود في هذا الصدد، ولكنه كان آخر ما بلورته من أفكار ووضعته سريعاً قيد التنفيذ العملي وهيّأت كل السبل والوسائل والظروف لتحقيقه، فقد سارعت مع الدول الاستعمارية الأخرى إلى تقاسم تركة الدولة العثمانية قبل انتهاء الحرب العالمية الأولى، واتّفقت بريطانيا وفرنسا على تقاسُم منطقة الهلال الخصيب وأصرّت بريطانيا على أن تكون لها السيطرة على فلسطين بهدف تحقيق وعد بلفور وتهيئة كل الظروف لخلق دولة يهودية في فلسطين، وشرعت في ذلك حتى قبل الحصول على صك الانتداب.

ولم تتورّع بريطانيا، مدعومة بعصبة الأمم عن أي عمل يحقّق لها ما أرادت، فعند احتلال القائد البريطاني ادموند ألنبي للقدس كان معه فيلق يهودي مُدرّب «ضمّ بن غوريون»، كما عُيّن الصهيوني هربرت صموئيل كأول مندوب بريطاني على فلسطين، فأعطى الصهاينة امتيازات واسعة وتسهيلات عظيمة، مما أدى إلى ازدياد أعداد اليهود في فلسطين نتيجة هجرتهم إليها بشكل متصاعد، حيث لم تكن نسبتهم في مطلع القرن العشرين تزيد على 5% من السّكان، كما سمح لهم بتكوين جيش منفصل في الوقت الذي كانت فيه الملاحقة والاعتقال والتنكيل جزاء كل من يمتلك أي سلاح من الفلسطينيين، بل شنّت القوات البريطانية آلاف المُداهمات والحملات التفتيشية المُباغِتة على الأحياء والمناطق العربية لجمع الأسلحة ومُعاقبة المُسلّحين، حتى آخر لحظة من عمر الانتداب في الوقت الذي كانت فيه تُسلّح العصابات الصهيونية حتى بالمدافع الثقيلة والآليات، فكانت المَعدّات العسكرية البريطانية نواة المَعدّات الحربية التي قامت عليها قوات الدولة الصهيونية في ما بعد.

جاء انسحاب بريطانيا من فلسطين دون التنسيق مع الأمم المتحدة، بحجّة رغبتها في إنهاء الانتداب، إتماماً لفصول خُطّتها الرامية إلى إنشاء الكيان الصهيوني، فقد بدأت بريطانيا سحب قواتها من المناطق الخاضعة لليهود منذ 1921947، بينما بقيت في المناطق والأحياء العربية حتى 1551948، وذلك بهدف تمكين الحركة الصهيونية من ترتيب صفوفها وإحكام سيطرتها على المناطق وتعزيز قدراتها المُختلفة تمهيداً لفرض سيطرتها على أكبر مساحة مُمكنة من فلسطين لإقامة دولتها عليها، بينما فاجأت العرب بالواقع الجديد حتى لا تكون لديهم القدرة على مواجهته عسكرياً أو اقتصادياً أو إدارياً.

إنها الجريمة الكبرى التي لابدّ من أن تعترف بها بريطانيا، التي تجرّدت من كل القِيَم الحضارية والإنسانية حين وهبت ما لا تملك لمن لا يستحق.

نصَّار وديع نصَّار

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا