• الجمعة 05 ربيع الأول 1439هـ - 24 نوفمبر 2017م
  04:27    ولي العهد السعودي: المرشد الإيراني هتلر جديد في الشرق الأوسط        04:28    مقتل 20 مسلحا من طالبان بضربة جوية في أفغانستان         04:28    تنصيب منانغاغوا رئيسا لزيمبابوي خلفا لموغابي         04:29    المعارضة السورية تتفق على إرسال وفد موحد إلى مباحثات جنيف         04:29    "الوطني للأرصاد" يتوقع أمطارا وغبارا في الأيام المقبلة         04:58    وكالة أنباء الشرق الأوسط: 85 شهيدا و80 جريحا باعتداء إرهابي على مسجد في سيناء    

الفن واللعب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 22 ديسمبر 2016

سعيد بنگراد

يُصنف اللعب ضمن كل ما يمكن أن يخرج عما ترسمه التجربة اليومية بمحدوديتها في الوظيفة والغايات. يدخل في ذلك الرقص والغناء والرياضات الفردية والجماعية، ويدخل ضمنه أيضا اللعب بالكلمات والشعر والإيماءات وكثير من الممارسات التي لا غاية منها سوى اللعب ذاته، ما كان يسميه كانط «أهدافا من دون غايات». بل قد يكون اللعب أوسع من ذلك، فهو يمكن أن يكون شاملا لكل الممارسات التي تقع على هامش «اللحظة الجدية» في حياة الناس، أي ما يستجيب لحاجاتهم الأولية: ضرورة العمل وضرورة الأكل والنوم وإشباع كل الغرائز الأخرى. لا نستثني من ذلك طقوس العبادة والحفلات الاجتماعية وحِلَق الذِّكر، والنكات وممارسات القمار ولعب الكبار في أسرتهم بحثا عن متعة أو راحة نفسية.

ومع ذلك، فإن اللعب ليس ممارسة عارضة أو طارئة يقوم بها أفراد في وقت فراغهم، فهناك ما يشير في بقايا السلوك الإنساني اللاواعي إلى أن الإنسان بدأ، وهو يبحث في تفاصيل حياتية لم يعِ وجودها بشكل عقلاني، لاهيا بمحيطه، بأشيائه وكائناته، وانتهى لاعبا بكل شيء، بغاجاته وهاتفه المحمول، وعابثا بجسده ضمن تصوير ذاتي لا يتوقف (السيلفي) أو الإبحار في عوالم افتراضية لا رابط بينها وبين الفعل الواقعي. فقد يكون اللعب «فرصة للتخلص من الزائد في الحياة، ما يعود إلى الزمن والطاقة والاندفاع الفكري»(1)، إلا أنه يكشف أيضا عن روتينية الحاجات النفعية في حياة الفرد وضآلتها أمام إغراءات عوالم المتعة عنده.

قد يُنظر إلى اللعب، في تجليه المباشر، باعتباره تعبيرا عن رغبة الفرد والجماعة في التخلص من كل الاستعمالات «الجدية» للمحيط القريب والبعيد، إلا أنه يُعد، في جوهره، واجهة من واجهات الإنسان في الحياة وقدرته على تصريف جزء من انشغالاته الذاتية والجماعية في ممارسات تنزاح بالفعل عن مردودية مباشرة، للبحث عن «حقيقة» ضاعت منه مبكرا، لحظة انفصاله عن الحضن «الطبيعي» وانغماسه الكلي في ثقافة نَأَتْ به عن التوجيهات الأولية لتركيبته الفسيلوجية والاجتماعية. وتلك هي طبيعة الإنسان حقا، فهو «يلعب لأنه إنسان بشكل كلي، ولكنه لا يمكن أن يكون إنسانا إلا من خلال هذا اللعب»(2). استنادا إلى ذلك لن يكون «اللعب مجرد تسلية تبعدنا عن كل ما هو مأساوي في إنسانيتنا، إنه أيضا تعبير عن هذه الإنسانية»(3).

ما يَشي به اللعب

وهي صيغة أخرى للقول، هناك في الداخل النفسي رغبة حرَّى في التخلص من زمنية موجهة ومحدودة بغايات مرتبطة بالحس المشترك وحده، لاستعادة أصل أول يكون خاليا من كل الإكراهات، كائنا بلا ذاكرة وبلا وسائط يعبث بالأشياء قبل أن يسميها أو يَصُبها في مفاهيم تحول بينه وبين دفء الطبيعة في وجدانه. وهذا ما يؤكده سلوك البدائي نفسه، فهذا الكائن لا يُعير في الغالب أي اهتمام «لما يميز بين كينونته وبين لحظات لَهْوِه، فلا علم له بالهوية والصورة والرمز. وقد يكون ذاك هو الذي يسمح لنا بالقول إن الوسيلة المثلى للتعرف على حقيقة حالته الذهنية وهو يمارس طقوسه القدسية هي العودة من جديد إلى المعنى الأول لكلمة لعب. فداخل اللعب تنمحي، في تصورنا، الفواصل بين الاعتقاد والتمويه»(4). ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا