• الأربعاء 03 ربيع الأول 1439هـ - 22 نوفمبر 2017م

دراسات مجتمعية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 01 فبراير 2017

لم يعد الركون لمنهج واحد في دراسة المجتمعات، كافياً لمعرفة طبيعتها وبناها وتشكيلاتها الاجتماعية والاقتصادية، لأنّ التطور في الدراسات الاجتماعية رسخ نظريات في علم الاجتماع تعتني أيما عناية بالأنساق الاجتماعية، وتحليل أنثربولوجيا ثقافة المجتمع الواحد، فالبحث فقط عن عوامل اقتصادية لم يعد كافياً في دراسة المجتمعات، فالقيم الاجتماعية، سواء أكانت حسنة أم سيئة، هي أكبر في كثير من الأماكن من القيم المادية، فمثلاً إذا أردنا تفكيك البنية الاجتماعية في السودان، لا بد من الاستعانة بدراسة حالات الانسجام والتناغم من ناحية، ومعرفة حالات التناقض من ناحية أخرى، خاصة أن حالات التناقض والتباين هي المسيطرة والمهيمنة، وعنها ومنها تولد الأحقاد والكراهية والبغضاء، ولعلّ انفصال الجنوب مثالٌ جاثم على صدور السودانيين جميعاً.

إنّ الحياة السياسية التي نعيشها اليوم نتاج طبيعي لبنية اجتماعية معقدة ليس بسبب التنوع والتعدد فقط، وإنما أيضاً بسبب التاريخ والجغرافيا، اللذين جعلا من منطقتنا العربية مدار اهتمام عالمي، فتحليل الدولة وصراعات السيطرة والنفوذ لم يعد وحده كافياً، بل سيظل رتقاً من دون أن تتم دراسة المجتمع من خلال آلياته وسياقاته المختلفة ووحداته المتباينة، لذا تظل مجتمعاتنا تراوح مكانها خاضعة لإنتاج الأزمات وتعميق التناقضات، وهذه التناقضات هي التي أفرزت الحياة السياسية اليوم في السودان، وأصبحت الدولة والمجتمع رهيناً لهذا الموروث، المعبأة في زجاجة أنيقة يستهلكها السياسيون كل حسب حاجته لها.

إنَّ أهمية دراسة البنية الاجتماعية تنبع من أهميتها للتعرف إلى المجتمع، خاصة أننا جميعاً، ومن دون استثناء، لم نتعرّف بعد إلى واقعنا بكل تناقضاته وانسجاماته، لأننا مولعون بالسياسة بكل أحزابها وصراعاتها، وبياناتها، فتم إهمال معرفتنا بالمجتمعات التي كانت تموج بالتناقضات داخل النفوس والعقول، ولذا عنصر المفاجأة ألجمنا جميعاً بعد أن اشتعلت الصراعات واكتست بلون الطائفة والمذهب، حتى أصبحت المنطقة كتلة من لهب، بعد أن أخرجت النفوس أثقالها، فما نراه الآن متجسداً الآن للعيان، تقهقر مجتمعي، وتآكل في الدولة، والسبب الرئيس البنية الذهنية المسيطرة منذ قيام الدولة الوطنية، والتي أوصلها الإخوان المسلمون ومن لف لفيفهم وأخرجوها للعلن.

وإذا دلفنا المجتمعات العربية اقتصادياً نجدها متنوعة، بين مجتمع رعوي، ومجتمع زراعي، وأيضاً داخلهما نجد مجتمعاً زراعياً مروياً ومجتمعاً زراعياً مطرياً، مروراً بمجتمع طفيلي خلق من داخل جهاز الدولة لا علاقة له بالإنتاج، هو الآن المتحكم بتلابيب بعض المجتمعات، وإنْ كان هناك استثناءات، أما عن وضع المرأة على الرغم من الكثير من الإنجازات، فإن وضعها الآن تراجع كثيراً بسبب هيمنة التخلف باسم الدين والتقاليد.

هناك ملاحظة في تكوين الدولة، واضحة، وهي الإخفاق في بنائها مؤسسياً، وفشل نخبها السياسية في شق طريق للوعي والحداثة والعصرنة، وبالتالي إخفاقها في بناء مجتمع متماسك، والفشل ناتج عن استخدام الدولة لتناقضات المجتمع من أجل البقاء في الحكم حتى وصلنا إلى مرحلة التلاعب بمصير الوطن، وهي المرحلة التي نعيشها الآن، فقد أثارت الطبقة المستبدة الإسلامية جملة من التناقضات، وأظهرتها للعيان عندما كنا نعتقد بأننا تجاوزناها أو تم التأسيس لتجاوزها.

إياد الفاتح - أبوظبي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا