• الثلاثاء 02 ربيع الأول 1439هـ - 21 نوفمبر 2017م
  04:58     رئيس الوزراء اللبناني المستقيل سعد الحريري غادر باريس متوجها إلى القاهرة     

من دون قتال تقريباً انهارت أيديولوجية كانت تستعبد وتفقر ثلث العالم وانكشف الغطاء عنها لنراها جميعاً عارية

«الإرث البغيض».. مائة عام على الشيوعية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 31 أكتوبر 2017

بريت ستفنز*

للصحفية الأميركية آن آبلباوم كتاب رائع بعنوان «المجاعة الحمراء» يتحدث عن السياسة المدبرة التي انتهجها جوزيف ستالين في السنوات الأولى من ثلاثينيات القرن الماضي لتجويع أوكرانيا. وجاء في الكتاب ما نصه «في ربيع عام 1932 بدأ مسؤولون يائسون وقلقون على وظائفهم وحياتهم، كانوا يعلمون أن مجاعة جديدة قد تكون وشيكة، يجمعون الحبوب في أي مكان يجدونه وبأي طريقة يستطيعون. وحدثت عمليات مصادرة جماعية عبر كل الاتحاد السوفييتي. وفي أوكرانيا جرت عمليات المصادرة بكثافة». وأبيد ما يقدر بنحو خمسة ملايين شخص في سنوات قليلة فحسب، وأصر «والتر دورانتي» مراسل «نيويورك تايمز» في الاتحاد السوفييتي على زيف القصص التي تحدثت عن مجاعة. وحصل على جائزة بوليتزر عام 1932 عن تقرير وصفته الصحيفة فيما بعد بأنه «مضلل تماماً».

وأنا أتساءل كم من القراء على دراية بهذا التاريخ عن الوحشية والإنكار إلا بصورة مبهمة؟ وكم عدد الناس الذين يعرفون اسم لازار كاجانوفيتش أحد رجال البطش الأساسيين لستالين في المجاعة؟ وماذا عن الفصول الأخرى الكبيرة والصغيرة في تاريخ أهوال الشيوعية من ترحيل تتار القرم إلى الاعتداء على الحزب الشيوعي في بيرو «الدرب المضيء» إلى أجنحة العلاج النفسي في عهد برجنيف التي استُخدِمت لتعذيب واعتقال المعارضين السياسيين؟ والناس الذين يعلمون كل ما حدث في سجن «روبن أيلاند» في جنوب أفريقيا لماذا لم يسمعوا شيئاً قط عن سجن «آيل أوف باينز» في كوبا؟ لماذا ما زالت الماركسية تُحمل على محمل الجد في الجامعات وفي الصحافة التقدمية؟ هل الناس الذين يريدون إزالة تشريعات الفترة الكونفدرالية في الولايات المتحدة وهم محقون في ذلك، يشعرون بقشعريرة اشمئزاز مماثلة تجاه أشخاص يرتدون أقمصة عليها صورة لينين أو ماو؟

وهذه ليست أسئلة أصلية، لكنها تستحق الطرح لأن كثيراً من التقدميين اليوم ما زالوا في حالة دائمة وخطيرة من شبه الإنكار لإرث الشيوعية بعد قرن من ميلادها في روسيا. إنهم ليسوا شيوعيين صادقي العقيدة، وليسوا على دراية بمآسي خطة ماو «القفزة العظيمة للأمام» أو «حقول القتل» على يد الخمير الحمر في كمبوديا. ولا يتآمرون لتقويض الديمقراطية، لكنهم يصرون على أن هناك اختلافاً جوهرياً بين النازية والشيوعية وبين كراهية الأعراق وكراهية الطبقة وبين معسكرات الاعتقال النازية ومعسكرات الاعتقال السوفيتية، وهم يفضلون أخلاقياً الأخيرة.

كما سيحاولون فصل الشيوعية كنظرية عن الممارسة في مسعى لتبرئة النظرية. وسيزينون الاعتراف بالقمع والقتل الجماعي في الشيوعية بالإشارات إلى «تقدمها الحقيقي وإنجازاتها»، وسيقولون إن الشيوعية الحقة لم يتم تطبيقها قط. وكتب الباحث الفرنسي «رايموند آرون» في كتابه «أفيون المثقفين» في عام 1955 يقول إن «كم عدد المثقفين الذين جاؤوا إلى الحزب الثوري عبر طريق الاستياء الأخلاقي ليتستروا فحسب في نهاية المطاف على الإرهاب والاستبداد؟».

وأشرت من قبل إلى أن المثقفين لهم تاريخ طويل في خداع أنفسهم، وأن الظاهرة شائعة تماماً في الحزبين، لكن عواقب اختلاق «اليسار» للأعذار أكثر خطورة. وفنزويلا اليوم تعيش مخاض ديكتاتورية اشتراكية وخراب إنساني والأشخاص الذين يشتبه في أنهم تقدميون عادة يحتفون بهذا المسار المتوقع وغير السعيد في فنزويلا، ومن بين هؤلاء المشتبه بهم «جيرمي كوربين» رئيس الوزراء البريطاني «المحتمل»، وهذا في جانب منه يرجع إلى وجود جيل من البريطانيين لا يعرفون مدى قصر واستقامة الخط الواصل بين «الالتزامات الاشتراكية التقدمية» والنتائج الاقتصادية الكارثية.

وفي العام الماضي، استحوذ بيرني ساندرز على قلب، دون أن يستحوذ حتى الآن على عقل، الحزب «الديمقراطي» بتصويره «الاشتراكية الديمقراطية» على أنها ليست إلا امتداداً لليبرالية «الصفقة الجديدة» التي دشنها الرئيس فرانكلين روزفيلت، لكن سيناتور فيرمونت يُصر أيضاً على أن «النموذج الاقتصادي لوول ستريت زائف» ومن المتوقع أن يتم السعي إلى تجريم الرأسمالية والخدمات المالية.

إن أكبر انتصار استراتيجي للغرب في القرن الماضي لم نكلف أنفسنا قط عناء تعليم الدروس المستفادة منه للأجيال الحديثة، بل لم نتعلمها. فمن دون قتال تقريباً انهارت أيديولوجية كانت تستعبد وتفقر ثلث العالم وانكشف الغطاء عنها لنراها جميعا عارية، لكننا ما زلنا نجد صعوبة في إدانتها لأننا نرتكب شروراً مماثلة. ونعامل المتعاطفين معها كرومانسيين ومثاليين وليس كحمقى ومتعصبين ومتشائمين كما هم في الواقع. لقد كتب وينستون تشرشل، حين سمح الألمان لزعيم البلاشفة بأن يسافر من سويسرا إلى سان بطرسبورج عام 1917 يقول: «لقد أعطوا روسيا أكثر الأسلحة فتكاً. لقد نقلوا لينين في شاحنة مغلقة بإحكام كما لو أنه طاعون البكتريا العصوية»، وبعد قرن لم يتم التخلص من البكتريا العصوية ومناعتنا ضدها ما زالت محل شك.

* صحفي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا