• الجمعة 02 محرم 1439هـ - 22 سبتمبر 2017م

الأعمق من أعماقي.. جِلْدي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 08 ديسمبر 2016

د. العادل خضر

يبدو أنّ موضة الوشم الّتي انتشرت انتشار النّار في الهشيم منذ بداية هذا القرن أو قبله بعقود، وتقليعة ثقب الجلد في كلّ مواضع الجسد حتّى أشدّها حميميّة قد ظهرت خصّيصاً في حياتنا اليوميّة لتؤكّد ما قاله الشّاعر الفرنسيّ بول فاليري (1871-1945) من أنّ «أعمق ما في الإنسان، الجلد»، وهي عبارة تنقل العمق إلى السّطح على نحو لا يخلو من مفارقة، ولكنّها مفارقة لا تثير استغرابنا لأنّ شاعراً فرنسيّاً آخر من جيله تقريباً، وهو آرتور رامبو (1854-1891)، قد اشتهر بعبارة أخرى لا تقلّ غرابة عن قول فاليري هي: «أنا هو آخر»، «je est un autre»، وقد فُهمت هذه العبارة على أنحاء شتّى، حتّى أنّ فيلسوفاً من قامة بول ريكور قد اتّخذها، بشيء من التّصرّف المقصود، عنواناً لكتابه الشّهير «الذّات عينها بما هي آخر»، «soi-même comme un autre»، وإذا كان هذا الآخر قد فُهم دائماً على أنّه مختلف عن الذّات، وخارجيّ، يحمل هويّة مستقلّة عن الأنا، وذاكرة أخرى وغيريّة مطلقة، فإنّ عبارة آرتور رامبو تقول شيئاً بعيداً كلّ البعد عن هذا الفهم وذاك التّأويل، فهذا «الآخر» الّذي ورد في عبارة الشّاعر «أنا هو آخر» هو «الأنا» نفسه، وليس ذاتا أخرى مختلفة عنه. ويتّضح هذا المعنى بيسر لو عكسنا عبارة رامبو وقلنا «الآخر هو أنا». ويطابق هذا «الأنا الآخر»، عند شخص بارز من جيله، ونعني فرويد (1856-1939)، اللاّشعور. ذلك أنّ «الأنا» لم يكن يشمل في تصوّره كامل المجال النّفسيّ، هذا إذا اعتبرنا اللاّشعور هو ما يكون خارج «الأنا»، ومنزاحاً عن مركزه. وبسبب ذلك الانزياح فقد «الأنا» مركزيّة الوعي، فـ«لم يعد سيّداً في بيته» حسب عبارة فرويد الشّهيرة. ويبدو أنّ لويس خورخي بورخس (1899-1986) قد التقط هذا المعنى وصاغه قصصيّاً في قصّته ورائعته «الآخر»، «El otro». فليس هذا «الآخر» في النّهاية سوى «أنا آخر»، أو «أنا» وقد تجلّى في عالم ممكن على نحو مستحيل.

إذا سلّمنا بهذا الفهم، فإنّ موضع هذا «الآخر» لا يوجد هناك أو هنالك في مكان ناء، وإنّما هو هنا، قريب جدّاً منّا، وفينا، على نحو حميم، لصيق بنا، بحيث تضحي عبارة بول فاليري «أعمق ما في الإنسان، الجلد» بهذا المعنى واضحة لا غرابة فيها. فليس «الأنا» الّذي يقبع في جهة «الحميم» و«العميق» منّا، سوى «أنا آخر» حين يظهر في الحميم والسّطحيّ منّا. هذا «الأنا الآخر»، أو «أنا» بما هو «أنا آخر» لا يمكن معرفته بقاعدة سقراط «اعرف نفسك بنفسك»، لأنّه ليس ماثلاً على نحو شفّاف أمام نفسه، فيطّلع على خباياها وأسرارها الدّفينة دون عوائق كأنّه أمام مرآة صقيلة، فيمسي ما يعرفه الأنا عن نفسه مطابقاً تماماً لأناه ويمثّله، غير أنّ هذا التّطابق المثاليّ ينتفي في مجال التّحليل النّفسي وحتّى في الأدب، فيصبح الأنا هو ما لا يعرفه عن نفسه، وهذا الّذي لا يعرفه هو بالضّبط «الحميم»، ولكنّه حميم من نوع آخر لأنّه إذا انكشف وتجلّى انفتح على مشهد آخر، أو بيت مألوف وغير أليف unheimlicht، ليس الأنا سيّداً فيه.

القرين الخفيّ

هذا السّيّد الخفيّ يسمّيه بعض الشّعراء «القرين»، ويعيّنه بعض الفلاسفة بلفظ «المَثْنَى» le double، فهو ليس آخر بالنّسبة إلى الأنا، وإنّما هو «أنا آخر»، في منزلة التّوأم، ولكنّه توأم لا يُرى ولا نشعر بوجوده، ورغم ذلك هو دائماً معي يرافقني ولا يفارقني، منذ ولادتي. إنّه هذا الحميم القريب الّذي من فرط قربه صار دخيلاً، يسكن في دخيلتي على نحو ساخن متحرّك متقلّب، كالرّيح دائماً على قلق، ولكنّه حين يخرج من فضائه الحميم، يظلّ هو هو، إلاّ أنّه يتجلّى على نحو مختلف، فيتكلّم لغة غير لغتي، قد تكون شعراً، وقد تكون حلماً، وقد تكون زلاّت لسان، ونكات هزل، وقد تكون سخيف كلام وهذيان، وهو حين يتكلّم يستعير لساني ويكتب بيدي ويرسم على جلدي أبجديّة أخرى، تارة تكون وشماً، وتارة أخرى تكون ثقباً، وحينا آخر وصماً لا يمّحي. وفي كلّ الأحوال يظلّ هذا الأنا الحميم حين يسفر هو هو، ولكنّه يسفر دائماً في هيئة «أنا آخر»، أو أنا دخيل لا يقتحمنا من الخارج ويهاجمها بغيريته المزعجة، وإنّما ينبثق منّا من هذا الدّاخل الحميم، كجنّي يسكن في قمقم قد فضّ فجأة ختمه، فخرج من فضائه الجوّانيّ، إلى فضائنا البرّانيّ.

ينبغي أن نأخذ استعارة الجنّيّ على نحو حرفيّ. ففي المخيال الإسلاميّ وحتّى المسيحيّ، يسكن الجنّيّ أو الشّيطانيّ في تجاويف الإنسان، فهو كائن جوفيّ، شيطانيّ، إذا تكلّم أفسد كلامنا وشوّهه، وجعله غريباً لا يفصح ولا يُبين، فترفضه رقابتنا الأخلاقيّة واللّغويّة، ولكنّه يقبع فينا كضيف ثقيل طال مكوثه، فأربك نسق حياتنا اليوميّة الرّتيبة، وجعل البيت مسكوناً بغير أهله. وحين يقتحم البيت لا يصبح الأنا «سيّداً في بيته». ولذلك كان يُرقى بالرُّقى المختلفة حتّى يخرج، فإذا لم يخرج بالّتي هي أحسن طورد حتّى يطرد ويولّي الأدبار. ويمكن أن يكون لهذا الآخر الجوفيّ حضور ملائكيّ، فيكون حميماً قريباً رفيقاً يُصاحبنا لأنّه توأمنا الّذي ولد معنا، فبقي [هو] في هيئة شبحيّة لا تُرى، وخرجت [أنا] إلى الدّنيا. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا