• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

تأملات

روحيّة الفنّ

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 09 يوليو 2014

د. سعدالدين كليب*

ليس من العبث أن تترنّم الأسطورة اليونانية في الحديث عن أورفيوس الموسيقيّ الشاعر، كما تترنّم في الحديث عن قيثارته التي تُبهج الروح وتُرقِص الجسد؛ وليس من العبث أيضاً أن تبكي تلك الأسطورة عند معاناته في تجربة العشق الأليم. فقد اجتمع لأورفيوس ما لم يجتمع لغيره، من الشعراء والعشاق. حيث كان يصغي بقيثارته إلى الطبيعة من حوله، فيتردّد صداها في كلماته وألحانه، حتى لكأنّ روح الطبيعة تتخثر فيها أو تتقطر. وهو ما كان يدفع بالشجر والحجر والظباء والوحوش، إلى اللحاق به، والتحلّق حوله؛ فكان كلٌّ منها يترنم بطريقته الخاصة كلما عزف صاحبنا أورفيوس أو أنشد وغنى، وكأنه كان يحسّ أنه يخاطبه هو دون سواه من بين الغاوين!

ولا تختلف قيثارة أورفيوس عن ناي مولانا جلال الدين الرومي إلا في المنحى. ففي حين تجد الطبيعة نفسَها في قيثارة أورفيوس، وقد حنّت وابتهجت، يجد ناي الرومي نفسه وهو يحنّ إلى أمّه الطبيعة فيعزف أغنيات الوجد والوَلَه، فتتفتّت قلوب الطير والحجر، قبل أن يتفتّح ملكوت البشر. يبدو لنا أنّ كلّاً من القيثارة والناي قد أراد، بقصد أو بدونه، أن يقول لنا شيئاً بعينه، شيئاً في غاية الأهمية، وهو أنّ التجاوب الروحي بين الفنّ والإنسان يكمن أولاً في جمالية الانتماء إلى العالم، وفي جمالية ابتكاره خلقاً جديداً كذلك. إذ إنّ التجاوب الروحيّ هو الأساس في العملية الإبداعية، وهو الأساس في كلّ من العملية التذوقية والعملية التواصلية والعملية التداولية جميعاً. فخارج ذلك التجاوب يبدو الفنّ مجرد مهارة يدوية أو تقنية أو ذهنية أو تخييلية. يصبح الفنّ معها أشكالاً بلا أرواح، أو أوانيَ لا معاني َ فيها. وهو ما نلمسه في الكثير من الأعمال الفنية والنصوص الأدبية التي تعتمد المهارة أساساً وحيداً لها. ولا شكّ في أنّ تلك المهارة قد تستطيع شدّ الانتباه إليها، من خلال التمويه والإثارة والإيهام، ولكنها لن تستطيع المكوث طويلاً في الأذواق والأذهان.

إنّ قدرة الأديب أو الفنان على الغوص في عمق العلاقات بين العناصر والظواهر والأشياء، والكشف عن الخفيّ والمستور فيها، وتعرية المسكوت عنه وتزكية البهيّ منها، واستجلاء التناغم والانسجام أو التناقض والنفور فيها، هو الذي يجعل العملية الفنية ذات أهمية إبداعية وإنسانية معاً؛ حيث يتمكن فيها العمل الفني أو النصّ الأدبي من التواصل مع العالم من جهة، ومع مختلف الأذواق الجمالية من جهة أخرى، ويتمكن أيضاً من السيرورة التداولية عبر الأمكنة والأزمنة. إذ إنّ قدرة الغوص تلك تعني الغنى المعرفي والانفتاح الروحي، مثلما تعني أيضاً القابلية المستمرة للتأويل.

إنّ للفنّ عامة استراتيجية روحية إنسانية تتناقض تماماً ومختلف النزعات الفردية والجماعية الضيّقة أو المنغلقة، المتشنجة أو المتطرفة، وذلك على الأصعدة والمستويات كافة. بل يمكن التوكيد أنه ما من عدوّ للفنّ أكثر من تلك النزعات. وما ذلك إلا لأنّ الفنّ أوسع من أن يتحدّد، وأعمق من أن يتشدّد، وأكثر ديمقراطية من أن يتطرف. وهو ما يوضّح لماذا كان الحقل الجمالي، على الدوام، هو الحقل الديمقراطي الوحيد في أزمنة الاستبداد المديدة تاريخياً. ما نريده هنا هو أن للعمل الفني ثقافته الروحية المتأصلة فيه من جهة، والمكتسبة عبر التواصل والتداول التاريخيين من جهة أخرى. ولهذا فإنّ روحية الفنّ تتناغم دائماً وروحية الإنسان بصرف النظر عن الزمان والمكان. ليس كالفنّ جامعٌ للبشر، وليس كالفنّ مجدّدٌ للحياة، وليس كالفنّ مبدعٌ للجمال. غير أنّ هذا كله ما كان ممكناً لولا الروحية الإنسانية التي هي صفة الفنّ الأولى منذ رسومات الكهوف حتى حمامة السلام لبيكاسو، ومنذ قيثارة أورفيوس حتى ناي جلال الدين الرومي، ومنذ ملحمة جلجامش حتى جدارية درويش.

*أستاذ علم الجمال والأدب

الحديث بجامعة حلب.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا