• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

استعادة لحوار معه في الدار البيضاء

محمود درويش: القرن العشرون تميز بالشعراء

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 23 يونيو 2015

حسّونة المصباحي (برلين)

في حوار أجريته معه في الدار البيضاء عام 1998 على هامش مهرجان الشعر العالمي، وكان ذلك عقب مرور أشهر قليلة على العملية الجراحية التي أجريت له، تحدث الشاعر محمود درويش عن «بياض الموت»، الذي ظلّ يسبح فيه على مدى أشهر طويلة. كما تحدث عن قضايا أخرى تتصل بالشعر تحديداً. وأذكر أنه قال لي إن من جملة مميّزات القرن العشرين أنه شهد «تعايش» عدد كبير من الشعراء العظام لم يشهدها قرن آخر قبله. فهناك ت. س. إليوت، وعزرا باوند، وويليام بتلر ييتس، وأودن، في الشعر الأنجلو - ساكسوني، وهناك فاليري، وكلوديل، وأراغون، وميشو في الشعر الفرنسي. وفي الشعر الروسي هناك ماياكوفسكي، وباسترناك، وآنا اخماتوفا، وبلوك وايسنين. وفي الشعر الألماني ريلكه. وفي الشعر الهندي طاغور. وفي الشعر اليوناني كافافي. وفي الشعر البولوني ميلوش، وفي الشعر الأميركي اللاتيني بابلول نيرودا، وأوكتافيو باث، وفي الشعر الإسباني لوركا، وخيمينيث، وفي الشعر التركي ناظم حكمت.. وفي الشعر العربي يمكن أن يكون محمود درويش في أول القائمة، ذلك أنه كان بالفعل شاعراً كبيرا يحق للغة الضاد أن تفتخر به، وأن تشيد به كواحد من أبرز من جسدوا عبقريّتها، وحضورها في القرن العشرين.

ومن المؤكد أن محمود الدرويش أحسّ منذ سنوات المراهقة عندما كان يرمي الجنود الإسرائيليين بالحجارة بأن الشعر سيكون وسيلته الأساسية للمقاومة. لذلك ترك الأراضي المحتلة مبكّراً لا عن جبن، وإنما لأنه أيقن أن المواجهة اليومية والعنيفة مع قوات الاحتلال سوف تعيقه عن النضج شعريا، وستحوله إلى شاعر يقتصر على ردّ الفعل على المحتل بقصائد شبيهة بتلك التي اشتهر بها، والتي لم يعد يرغب في قراءتها، أعني بذلك: «سجّل أنا عربي». وهكذا مضى محمود درويش إلى المنافي محوّلاً وطنه إلى «حقيبة سفر».

وبعيداً عن فلسطين الجريحة والمهانة، طوّر تجربته الشعرية ليصل بها إلى المستوى العالمي. وبذلك تمكن من أن ينقذ الشعر من حمّى السياسة، ومن آفة الأيديولوجيات بمختلف أشكالها وألوانها.

وخلافاً لعدد كبير من الشعراء العرب، لم يكن محمود درويش يطمئن إلى إعجاب الجمهور حتى ولو ملأ الملاعب الرياضية للاستماع إليه. لذا ظلّ حتى النهاية دائم الحرص على تطوير تجربته، وعلى أن يكون شعره مفتوحا على أفق عريض دائماً وأبدا. وهذا ما أثبتته دواوينه التي صدرت في التسعينيات من القرن الماضي لما استقر به المقام في باريس. وربما لهذا السبب، جاءت قصائده في هذه الفترة الباريسية المشرقة خالية من النبرة الجماهيرية العالية التي وسمت أشعاره السابقة. وباتت ذات الشاعر التائهة المعذبة تتصدر المشهد لكن من دون أن تنفصل عن فلسطين.

وعالماً بأن الشعر سيظل دائما هاجسه الأساسي، كان درويش يتابع باهتمام وفضول كلّ التجارب الشعرية في المشرق كما في المغرب، وأبداً لم يهاجم قصيدة النثر، بل كان يكتفي بالقول إن ما ينتظره من شعراء هذا اللون من الشعر هو الارتقاء بتجربتهم إلى مستوى أعلى لغوياً وفنياً. وعندما أراد أن يثبت أنه لا توجد في الحقيقة حدود بين النثر والشعر، كتب «في حضرة الغياب»، و«أثر الفراشة». وقبل ذلك كان قد كتب «ذاكرة النسيان». ثم علينا ألاّ ننسى أن نثر محمود درويش كان من أروع وأبدع ما عرفه النثر العربي خلال القرن العشرين.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا