• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

المفكرون في «بلاد الأنوار» يعامَلون بتقدير وتبجيل كما لو كانوا كنوزاً وطنية

كيف يفكر الفرنسيون؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 19 يونيو 2015

في كتاب «كيف يفكر الفرنسيون»، يقدم سودير هزارسينج أفكار ونظريات بعض أكثر المفكرين الفرنسيين الذين تركوا بصماتهم في الفكر الإنساني خلال 400 سنة الماضية من أمثال فولتير وروسو وهيغو وكامي وسارتر وليفي - ستراوس وفوكو.. مُظهراً مدى تفرد الفكر الفرنسي وإعلائه من شأن الثقافة والفكر والفنون وكيف منح الكاتبَ دورا يكاد يكون مقدسا.

وربما بوسع المرء أن يجادل هنا أن فرنسا هي البلد الأكثر «تثقفاً» واهتماماً بالثقافة. فالمفكرون في «بلاد الأنوار» يعامَلون بتقدير وتبجيل كما لو كانوا كنوزاً وطنية، ويُمنحون حيزاً زمنياً واسعاً على القنوات التلفزيونية والإذاعات ومساحات مهمة على الصحف والمجلات. بل إن الحكومات تعمل بنصائحهم وتوجيهاتهم أحياناً، ولعل خير مثال -وأحدثه- هو بيرنارد هنري ليفي، وهو فيلسوف معاصر طبقت شهرته الآفاق، وقد لعب دوراً في إقناع الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي بالتدخل في ليبيا عام 2011.

كتاب هزاريسينج يضم في جزء منه ملخصاً مكثفاً لهذا الفكر منذ زمن ريني ديكارت إلى يومنا هذا، لكنه يعج بالكثير من الإشارات والاقتباسات لدرجة أن السرد يفقد سلاسته أحياناً. أما الغرض الرئيس للمؤلف، فهو دراسة كيف -وليس في ما- يفكر الفرنسيون، والمقصود بذلك الإطار والتفكير المنطقي والعقلاني الذي ميّز التعبير الثقافي في البلاد خلال القرون الأربعة الماضية.

ومثلما يشير إلى ذلك هزاريسينج، الذي يدرّس العلوم السياسية بجامعة أكسفورد البريطانية، فإن عدة أشكال من التعبير التي تُعتبر فرنسية أصيلة، ثل الكلاسيكية والإيمان بالتقدم العلمي، إنما ظهرت قبل ثورة 1789 بوقت طويل، في عهد الملكية المطلقة. ومع ذلك، فإن «معظم الحجج الأساسية بين الفرنسيين... ظلت تتمحور بشكل أو بآخر حول الإرث الثوري»، مثلما يؤكد. وعلى سبيل المثال، فإن الظلال الطويلة للثورة أثّرت على نحو لا تخطئه العين في فكرة القطيعة، والتي تعني أن الأفكار أو الحركات الفنية أو النظريات أو حتى الحركات السياسية ينبغي أن يُشك فيها وتُنتقد وتُنسف.

ومع مرور الوقت، مثّل رد الفعل هذا مصدراً للإبداع (مثل «الموجة الجديدة» و«الرواية الجديدة»)، لكن أيضاً لانعدام الاستقرار (ثورة الطلاب في مايو 1968 مثلاً). ثم ينتقل المؤلف لتفسير دورات فكرية طويلة على كل من اليسار واليمين، فيشير مثلا إلى أن الشيوعية والديجولية حملتا بين طياتهما مبادئ تذكّر بالأفكار الجاكوبية (الراديكالية اليسارية) والبونابرتية (نسبة إلى بونابرت). ويبدو المؤلف مقنعاً كذلك بخصوص كيف أن فكرة القطيعة قامت بتنشيط اليسار وتكسيره تاريخياً مع انتشار فكرة أن «التغيير السياسي لا يمكن أن يكون ذا معنى إلا إذا كان شاملا ومطهِّرا».

وبالمقابل، يبدو هزاريسينج أقل إقناعاً في ختام كتابه عندما ينبري لدراسة تراجع تأثير الفكر الفرنسي اليوم. فرغم الحجج التي يسخّرها لتأكيد العكس، إلا أنه يبدو أن المؤلف لا يرغب في أن يصدق أن التأثير الفكري والثقافي لفرنسا بات في تراجع، حيث كتب يقول إن فرنسا ربما لم يعد لديها مفكرون كبار اليوم، لكنها على الأقل مازال لديها شعب يفكر وينشر كتباً كثيرة كل عام، كما لو أن الكم يمكن أن يكون بديلا لفقدان مفكرين ينتجون أفكاراً نوعية. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا