• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

يوازن نموذج الدول الاسكندنافية بين الرأسمالية المقننة والرعاية الاجتماعية الشاملة والديمقراطية السياسية والمساواة

أيها الأميركيون من أنتم؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 17 يناير 2015

على مدار حياتي الطويلة في الترحال زرت القطبين ومعظم الدول الواقعة بينهما. ومازلت أتذكر عندما كانت الولايات المتحدة التي ولدت فيها بعد الحرب العالمية الثانية تحظى بالاحترام والإعجاب حول العالم. لكن حالياً باعتباري من بين 1.6 مليون أميركي يعيشون في أوروبا أواجه أسئلة صعبة عن أمتنا. وفي أي مكان انتقل فيه يسأل الأوروبيون والآسيويون والأفارقة المغتربين مثلي أن يفسروا لهم كل شيء غريب ومزعج عن سلوك الولايات المتحدة.

وفحوى أسئلتهم يدور حول: هل بلغ الأميركيون حافة الجنون؟ وعلى رأس قائمة الأسئلة: لماذا يعارض أي شخص الرعاية الصحية القومية؟ فبعض الدول لديها صيغة ما للرعاية الصحية القومية منذ ثلاثينيات القرن الماضي. وبعض الدول مثل فرنسا وبريطانيا جمعت بين النظامين العام والخاص. وفي الدول الاسكندنافية التي طالما اعتبرت أكثر البلاد تقدمية اجتماعياً، هناك برنامج قومي للصحة البدنية والنفسية يمثل جزءاً كبيراً، لكنه ليس إلا جزءا، من نظام أشمل للرعاية الاجتماعية. وفي النرويج التي أقيم فيها يستطيع جميع المواطنين الحصول على تعليم مجاني من سن ست سنوات حتى نهاية التخصص المهني والتعليم الجامعي وهناك إعانات قليلة الكلفة ومدعومة لفترة ما قبل الدراسة وللبطالة وإيجاد فرص عمل وإعادة التدريب المدفوع وإجازة لتربية الأطفال الجدد ومعاشات للمسنين وغيرها. وهذه ليست «شبكة أمان» أي أنها ليست أموال خيرية تدفع على مضض للفقراء. بل هي متاحة بالتساوي كحق إنساني لدعم الوئام الاجتماعي.

ويوازن نموذج الدول الاسكندنافية بين الرأسمالية المقننة والرعاية الاجتماعية الشاملة والديمقراطية السياسية وأعلى مستوى على الكوكب من المساواة الاقتصادية بين الأفراد والجنسين. وبدأ النظام في السويد في ثلاثينيات القرن الماضي وانتشر للدول الاسكندنافية الأخرى في فترة ما بعد الحرب. صحيح أنهم يدفعون مقابل ذلك ضرائب مرتفعة لكنها مقارنة بقانون الضرائب الأميركية فإن الضريبة التصاعدية على الدخل في النرويج أكثر يسراً بكثير.

وكل الدول الاسكندنافية تتفق عامة على أنه عندما تُلبى الحاجات الأساسية للناس ولا يصبحون قلقين بشأن العمل والتعليم والرعاية الصحية والنقل وغيرها يمكنهم حقاً فعل ما يريدون. وبينما تؤمن الولايات المتحدة بخرافة أن كل طفل له نصيب متساو من الحلم الأميركي، وضعت أنظمة الرعاية الاجتماعية للشعوب الاسكندنافية الأساس لمساواة وفردية أكثر أصالة. ويتحسر النرويجيون على ما يفعله الأميركيون بأنفسهم وذريتهم. فكبار المديرين التنفيذيين يتقاضون رواتب أعلى 300 أو 400 مرة من الموظف المتوسط. وحكام بعض الولايات أثقلوا ولاياتهم بالديون لأنهم قلصوا الضرائب على الأغنياء ويريدون تغطية الخسائر بانتزاع أموال من صناديق المعاشات العامة. وثلثا طلاب الجامعة الأميركيين يقعون في براثن الديون. والولايات المتحدة التي مازالت أغنى دول العالم يعيش بها ثلث الأطفال في فقر. والحروب التي تكلفت تريليونات الدولارات للرئيسين جورج بوش وباراك أوباما تم تمويلها بالأجل ليسدد كلفتها الأجيال المقبلة.

ويتجلى النظر إلى عدم إنسانية أميركا في أسئلة مثل: لماذا لا تكفون عن التدخل في الرعاية الصحية للمرأة؟ وماذا عن العلم وتغير المناخ الذي لا يمكنكم فهمه؟ ولماذا ترسلون الجيش إلى العالم لإثارة المشاكل لنا جميعاً؟ ويربط الأوروبيون عادة تهور أميركا في الخارج برفضها إصلاح حالها في الداخل. لقد شاهدوا الولايات المتحدة وهي تفكك شبكتها المهلهلة للأمان وتفشل في تجديد بنيتها التحتية المتهالكة وتضعف العمل المنظم وتتوقف فيها هيئتها التشريعية وتخلق أكبر درجة من عدم المساواة الاقتصادية في قرن تقريباً. وأصبح الأميركيون قلقين وخائفين مع تناقص الأمن الشخصي وغياب أي نظام للرعاية الاجتماعية تقريباً. ويفهم الأوروبيون سبب فقدان الكثير من الأميركيين الثقة في الحكومة القومية التي لم تفعل الكثير من أجلهم على مدار ثلاثة عقود فيما عدا جهود أوباما المتواضعة التي تتعرض لهجوم بلا نهاية في الرعاية الصحية.

ويصعب تحديد السبب الذي جعل أميركا تبدو على ما هي عليه اليوم والأصعب شرح هذا للآخرين. وبعض الأوروبيين يقولون إن أميركا «مجنونة» أو «مصابة بجنون العظمة» أو «متمركزة حول ذاتها» أو «متخلفة» وآخرون يقولون إن الأميركيين «ضالون» أو «نائمون» فحسب وربما يعودون إلى رشدهم. لكن يظل هناك تصور بأن الولايات المتحدة إن لم تكن «مجنونة» بالفعل فإنها بالتأكيد خطر على نفسها والآخرين.

آن جونز *

* مؤلفة كتاب «كانوا جنودا: كيف عاد الجرحى من حروب أميركا- القصة المحجوبة».

ينشر بترتيب خاص مع «تريبيون نيوز سيرفيس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا