• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

قلوب صافية وأبواب مشرعة ومجالس مفتوحة للغريب والقريب

الإماراتيون.. ليالي الزمن الجميل

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 18 يونيو 2015

عبدالله عبدالرحمن

لطالما كان لشهر رمضان الفضيل في قلوب الإماراتيين وحياتهم حضوره الخاص؛ فهم يحملون لهذا الشهر مشاعر حميمية، ويحتفلون به احتفاء كبيراً، إذ يمثل رمضان بالنسبة لأهل الإمارات مناسبة للتواصل والمجالس والعبادة والتضامن والتكافل بين مختلف الفئات داخل المجتمع الإماراتي الذي ظل متماسكا وحريصا على التعاون والتلاقي وخصوصا في مثل هذه المناسبات. ومع ظهور الهلال وإعلان رمضان ثمة طقوس عديدة كان الإماراتيون يمارسونها، نعرض لبعضها في هذه العجالة. يبدأ الترحيب بشهر رمضان قبل أن يهلّ هلاله، كما يقال، فمع حلول شهر شعبان تبدأ الاستعدادات لرمضان، سواء على المستوى المادي أو الروحي؛ إذ يبادر الناس إلى التصالح والتراضي، وفي نصف الشهر يحتفلون بليلة النصف من شعبان، وهي ليلة جميلة ذات طقوس محببة لا سيما للأطفال الذين يتجولون في دروب الفرجان وهم يرددون الأهازيج التي ترحب بالشهر. تباشير الشهر الكريم لأن «الهلال» هو صفة القمر في الأيام الأولى لطلوعه حين «يهل» ويبدأ «المهلل» أي الشهر القمري الجديد فإن من المختارات المأثورة قول شاعرنا: وأصوم ثاني مهلل إن رد ذاك القمر وهنا، لا بد من الإشارة إلى أن الإماراتيين قديماً كانوا يعتمدون على القمر والحسابات القمرية في كثير من شؤونهم، وكان الناس ملتزمين بتأدية العبادات والفرائض الدينية، كالصيام في رمضان والحج والنذر والكفارات والزكاة وغيرها. بالنسبة لرؤية هلال رمضان كانت كل إمارة تعتمد على نفسها في الماضي، وكانت الرؤية تتم من خلال المواطنين والشهود والقضاة والتحقيق. وكان يحدث أحياناً أن تصوم إمارة قبل إمارة وبالعكس، وهكذا بالنسبة لعيد الفطر. ويتذكر الحاج سعيد بعض الأمثال المأثورة عن القمر من الأولين، كقولهم: «قمر 13 يتصلى عليه الفجر» وفي مثل هذا اليوم عرفوا أن القمر يكون مائلاً على المغيب، بينما يعلو قليلاً يوم 14، لذلك اتخذوا قمر 13 مقياساً ثابتاً لصلاة الفجر. وكانوا يقولون أيضاً «القمر متدايعة على الرخص أو على الغلاء» حسب الاعتقاد الشعبي، ومتدايع بمعنى منقلب، حيث كانوا يعتقدون في بعض الحالات التي تؤثر فيها متغيرات الكرة الأرضية على القمر أن ذلك نذير رخص أو غلاء. كما وصفت بعض المأثورات أن «القمر نطاط» بعكس الشمس، ذلك لأنه في بعض أيام الشهر القمري تكون هناك فوارق بين مواعيد غياب القمر اليوم وغداً. ولم يكونوا يعرفون سر ذلك، فقالوا «القمر نطاط»، بينما الحقيقة أن القمر كونه قريباً من الأرض والأرض ليست كروية بالكامل، وهناك حركة ليست مستقيمة في خط واحد لا بد من اختلاف المواعيد. ويذهب آخرون إلى أن الهلال في الليلة الأولى «شخطة» صغيرة، ثم شخطتان في الليلة الثانية، وثلاث شخوط في الليلة الثالثة، ويكبر شيئاً فشيئاً حتى يكمل في العاشر، ويأخذ منتهاه ليلتي الرابع عشر والخامس عشر، ثم يخف قليلاً ليلة 16 وأكثر ليلة 17، ويتخذ خروج الجماعة من المسجد بعد صلاة المغرب مقياساً لمعرفة منتصف الشهر، حيث يبزغ القمر ذلك الوقت تحديداً. فإذا ما كنا متقدمين في الصيام أو متأخرين مثلاً دقيقة نتأكد ليلتها، كما أن حدود غياب قمر اليوم الخامس كان يتخذ مقياساً لانتهاء مجلس السمر الليلي، ولذلك سرى المثل المأثور القائل «قمر الخامس يشبع الرامس». عادات يرتبط رمضان بعادات معينة تخص الإماراتيين من ذلك أن النساء يقمن بانتقاء كميات من أجود أنواع التمور وأطيبها، وبعد الانتقاء والتنظيف يقمن بوضعها في صفائح معدنية أو «الخروس» الفخارية، ثم يضيفون عليها (الدبس) والزنجبل والسمسم، وتبقى هذه الكميات مخزونة لمدة 3 إلى 4 أشهر للاستهلاك الذاتي في رمضان وفي الشتاء عندما يكون الطقس باردا، فيصنعون منه المدبس، كهدايا، وبعد مدة التخزين تلك تتشرب التمور الدبس والسمسم فتملأ عشر حبات منها صحناً كاملاً، وتكون من ألذ وأجود الحلويات. كما تمثل المجالس التي كانت مشرعة الأبواب ليل نهار إحدى أهم الخصوصيات الإماراتية خلال الشهر المبارك، في الوقت الذي لم تكن فيه البلاد قد عرفت الفنادق والمطاعم والاستراحات ومثيلاتها، فقد كانت تلك المجالس توفر الإقامة والأكل والشرب للغريب والقريب ليوم أو أسبوع وحتى شهر دون حساب، وتكون تلك المجالس عادة عامرة بالجماهير في رمضان والمناسبات الدينية الأخرى. كما يصل في شهور الحج عدد كبير من (الدراويش) يعرفون برجال الدين وغيرهم من الهنود والباكستانيين وهم في طريقهم إلى مكة، فينزلون ضيوفاً على بعض أولئك التجار، ويقيمون في بيوت مخصصة لهم لعدة أيام، حيث يتم تزويدهم (بالإحرامات) والمساعدات المالية الكافية لرحلات الحج. وعرف الاماراتيون ظاهرة الأعمال الخيرية في شهر رمضان خصوصا مثل إقامة المساجد في الأحياء السكنية، كما أن الزكاة السنوية من أموالهم كانت حدثاً كبيراً يعم كل المحتاجين بسخاء وكرم، وعرفت شخصية أحمد بن دلموك بالكرم والسخاء حتى أنه في بداية شهر رمضان من كل عام اعتاد أن يوزع زكاة أمواله على الناس من الروبيات الفضية (بالغرف)، وكانوا يصلون من كل أنحاء البلاد، فيمتلىء بهم السوق، وينتعش بما جنوه من زكاته. رحلات في البر والبحر تعود الإماراتيون منذ عقود تنظيم رحلات العمرة خلال الشهر الكريم عبر (الأبوام)، ولما كانت الطائرات غير متوفرة فإن أعداد المعتمرين الذين تنظم لهم إجراءات رحلاتهم وإقامتهم طوال شهر رمضان بجانب البيت العتيق لا تقل عن ثلاثمئة معتمر، ومن بينهم عائلات بأكملها من مختلف أنحاء الإمارات ويعودون عادة بعد صيام الأيام الستة الأولى من شوال. ويذكر أن رحلات العمرة وقضاء رمضان بين أحضان الحرم المكي الشريف هواية وعادة تترسخ في وجدان الاماراتيين بعد رحلتين أو ثلاث، فيجدون أنفسهم متلهفين للمواظبة عليها في كل موسم، رغم عناء السفر قديما على الإبل لمدة تتجاوز فيها الرحلة 6 أشهر كاملة. وتسود الإمارات الأجواء الروحانية والحركة الاجتماعية الحافلة بالخير والمحبة والعطاء والصفاء والجلال والإحسان وصور التكافل الاجتماعي البديعة ليل نهار، سرعان ما يتنبه المجتمع في إحدى الأمسيات على إعلان أئمة المساجد بأن ليلة «الوداع» قد حانت، فتضج أرجاء المساجد العامرة بجموع المصلين من الرجال والنساء والصغار والكبار بالبكاء الصريح، ويغرقون في بحر من دموع الحسرة والأسف والحرمان، وتعلن الألسن والمشاعر والنفوس والأفكار عن لوعة الفراق. وبين المظاهر الاحتفالية الشعبية البهية للاستقبال و«الوداع» الحزين للشهر المبارك هنالك الكثير من الفعاليات الدينية والاجتماعية الرمضانية .. فدوي الطلقات المدفعية الرسمية والعيارات النارية المتلاحقة من البنادق الشعبية تعبير عن عمق الفرحة وبالغ السرور، وليعلن عن بشائر الخيرات والفضائل والبركات، ومع صياح الأطفال المبتهجة وطفرة الحركة الدؤوبة للرجال والنساء في البيوت والأحياء السكنية والسكيك والطرقات والأسواق العامة.. وفي المدن الساحلية والواحات الزراعية والقرى الصحراوية والجبلية، وحيثما كان نبض الحياة يدب في أوصال الأرض والإنسان في الإمارات ماضياً. كان هلال رمضان المبارك يهل على سماء هذا الوطن ويحل بين أحضان قلوب مجتمع الأجداد والآباء ليجدد اللقاء السنوي الفضيل، وليغمر الوجدان بقوى الإيمان والتقوى، وعلى أثر ذلك الاستقبال الرسمي والشعبي الحافل بالفعاليات والمظاهر النموذجية المعبرة عن السعادة بقدوم رمضان كانت الحياة الدينية والاجتماعية اليومية تحفل بمظاهر العبادات وأعمال البر. مراسم خاصة عن مراسم الاستقبال والوداع الشعبي الإسلامي لشهر رمضان في مجتمع الإمارات بالأمس يقول الشيخ عبد الجبار الماجد: لا شك أن هناك مزايا وخصوصيات جليلة لهذا الشهر الفضيل تعكس نفسها على الحياة الدينية والاجتماعية للمسلمين في كل بقاع الأرض، وإذا كانت طفرة المتغيرات العصرية التي شهدها مجتمعنا الخليجي عامة والإمارات خاصة قد شملت بمعطياتها أشكال ومظاهر وظروف الفعاليات الرمضانية الدينية منها والاجتماعية بدرجة أو بأخرى وبصورة أو بغيرها، فإن الماضي بخصوصياته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية العامة كان بلا شك امتداداً لعهود وأجيال ومأثورات متتالية متقاربة شكلاً وجوهراً، فلا شك أن روح ذلك الماضي بمأثوراته ما زالت تنبض بحيوية في وجدان الحاضر المتجدد بصورة عصرية. ورمضان كما كان منذ أن عرف، ومثلما هو اليوم وغداً، هو شهر القرآن والذكر والعبادات والصلوات والدعوات والبركات والخيرات والفضائل والوحدة والتكامل والعطاء وكل ما هو جيد وجميل. ومن هنا كان ارتباط الإنسان به وتقديره لمعطياته التي قد لا تتحقق في بقية شهور السنة بنفس المستوى. وإذا ما انتقلنا بالحديث إلى القيمة الروحانية الجليلة لرمضان في نفوس آبائنا وأجدادنا، وتلك الفرحة العظيمة التي كانوا يستقبلون بها حلوله المبارك كما أشرنا، فإن الماضي والحاضر سوف يثيران الذاكرة للقول بأن التزامات هذا الشهر وخصوصياته في صيام النهار وإحياء الأمسيات الليلية حتى الساعات المتأخرة لم تكن مؤثرة على ساعات وروتين الحياة العملية اليومية للأجداد والآباء في الماضي على اختلاف طبيعة مهنهم، وعلى الرغم من قسوة كثير من الأعمال الميدانية اليدوية ورغم شح معطيات الظروف المعيشية مقارنة بما ننعم به اليوم.. وإيجازاً نوضح، أن البرمجة الزمنية لدورة الحياة اليومية للإنسان في الماضي غالباً ما كانت تتم وفق مواقيت الصلوات، فكثيراً ما تجد صيادي الأسماك ينطلقون إلى البحر بحثاً عن رزقهم الحلال بعد تأدية صلاة الفجر مباشرة، وكذلك ينطلق المزارع إلى حقله، والتاجر إلى محله، ورب البيت إلى أسواق السمك والخضرة وغيره لتوفير احتياجاته المنزلية، وهكذا شأن الآخرين، وفي ساعات الصباح المبكرة تلك يجد الفرد منهم كل عوامل النشاط والجد والاجتهاد، وتتوفر له المناخ المنعش والمناسب للعمل حتى ولو كان الوقت صيفاً. وعادة ما كانوا يتوقفون عن أعمالهم مع أذان الظهر ملبين النداء الرباني للصلاة والفلاح. وكانوا يتخذون الفترة من بعد الظهر وحتى آذان العصر للراحة والاستقرار لينطلق بعد ذلك كل إلى شأنه الأسري أو الاجتماعي أو العملي حتى ساعات الغروب وموعد صلاة المغرب. تكافل اجتماعي من خصوصيات الأمسيات الرمضانية ومظاهرها الاجتماعية والدينية مقارنة ببقية شهور السنة، يتذكر الشيخ عبدالجبار الماجد: كانت ليالي بقية شهور السنة تنتهي مع صلاة العشاء ليأوي الإنسان منهم بعد ذلك إلى فراشه استعداداً ليوم جديد يبدأ بعد صلاة الفجر، فإن أولى مظاهر الفعاليات المسائية الرمضانية كانت تتجلى في أحلى صوره الاجتماعية التكافلية مع أذان المغرب، وعلى مائدة الإفطار الجماعية في المساجد أو بالقرب منها في مجالس الهواء الطلق، ومجالس أخرى شعبية مشتركة عامة مماثلة للنساء، فلا فرق بين البادية والحضر. وإذا كانت مطابخ بعض البيوت الميسورة الحال أو التجار توفر الأنواع الأساسية من محتويات موائد الإفطار العامرة لعدد من المساجد، فإن الظاهرة الأكثر انتشاراً كانت في الإعداد الجماعي الشعبي المشترك للمائدة، حيث تتنوع المساهمات وتتعدد من مختلف البيوت القريبة للأهالي.. وبعد الافتراق القصير لأهل الحي الواحد في الفترة الممتدة ما بين الإفطار وصلاة العشاء يكون اللقاء المشترك الأكبر على مستوى الرجال والنساء والأطفال، بفائتهم المنفصلة في كل مساجد الأحياء السكنية لتأدية صلاة العشاء، ثم التراويح، ويفصل بين جموع الرجال والنساء حاجز مصطنع، بينما ينتشر حول تلك المساجد صغار الأطفال يمارسون مختلف أشكال الألعاب الشعبية فيما بينهم فرحين مبتهجين. و تتناوب بعض المساجد فيما بينها خاصة في المدن الساحلية على إبقاء تلك الجموع المتآلفة من المصلين رجالاً ونساءً للسهر لبضع ساعات أخرى بعد انقضاء صلاة التراويح للاستماع إلى أحاديث الوعظ والإرشاد الدينية التي كان يلقيها بعض العلماء من أبناء البلاد أو زوارها المستضافين، ثم يكون الانتقال بعد ذلك بالتناوب إلى أحد المجالس لتناول «الغبقة» الرمضانية المعتادة. وإذا لم يكن الحديث الديني الرمضاني قائماً في المسجد فإن هناك العديد من المجالس العامة الفسيحة المعروفة التي لم تكن تخلو من عالم أو طالب علم يستقطب الجماهير الشغوفة من الرجال لمعرفة أمور دينهم وصلاح دنياهم. ولا يخفي أن المجالس كانت مكملة للمساجد، ولم يكن يخلو بيت من مجلس يكون بابه على الشارع أو السكة، بحيث لا يحتاج القادم إلى أن يطرق الباب، فالأبواب مشرعة للقريب والغريب، حيث يجد التكريم والترحيب.. وكانت المجالس الكبيرة التي لا يمر بها عالم مرة أو مرتين في الأسبوع ناقصة، لذلك فإن التجار خاصة كانوا يتهافتون على استضافة العلماء في مجالسهم. وعموماً فإن التنقلات الجماعية الرجالية منها والنسائية بين مجالس بعضهم البعض عقب صلاة التراويح وبالتناوب الليلي كانت ظاهرة اعتيادية، وهي لا تزال قائمة مع اختلاف النسبة والمستوى حتى اليوم. ولايات وكرامات الحقيقة أن هذه المنطقة العربية الإسلامية رزقت منذ البعيد بالخيرات نتيجة العائد الوفير من أهلها من إنتاج وتجارة اللؤلؤ، لذا فقد كانت مركز استقطاب للكثيرين من أبناء المناطق المجاورة، بما فيها السعودية وعمان وفارس، وكان ضمن القاصدين إليها طلبة العلم للوعظ والإرشاد، أو المقرئون لتلاوة القرآن الكريم، حيث كانوا يجدون بين الأجداد والآباء تقديراً وتجاوباً كبيرين، إلى جانب الكرم والسخاء والعون. وقد امتدت ظاهرة تردد العلماء على المنطقة بنفس الصورة منذ القدم، ولم تتوقف أبداً، وكذلك كان شأن الترحيب والتكريم والعطاء الذي يلقونه. وأحياناً ما كانت الزيارات تكون بدعوات من أبناء المنطقة لهم خاصة في شهر رمضان من كل عام، حيث كانت نسبتهم تزيد؛ وذلك لزيادة حاجة الناس وشغفهم للدعوة والوعظ والإرشاد.. كما كان العطاء في رمضان أكثر، ولا شك أن لتقارب الإمارات من بعضها البعض فإن من يصل منهم أبوظبي مثلاً كان يصل دبي أيضاً وكذلك الشارقة، وبالعكس، ممن يصلون عجمان أو الشارقة أو غيرها من الإمارات. وإلى جانب تلك النسبة الكبيرة من العلماء الذين كانوا يزورون الإمارات ماضياً فإنه كان هناك الكثير من أبنائنا الذين برزوا كشيوخ علم ودين، كالشيخ محمد نور بن سيف الذي شغل إدارة التعليم في دبي على مدارس الأحمدية والفلاح والسعادة، وفي الوقت نفسه كان يقوم بالخطبة في الجامع الكبير الذي يحضره كل شيوخ دبي. سعيد بن مكتوم وجمعه آل مكتوم وحشر آل مكتوم، هؤلاء الأخوة الكبار الذين حكموا دبي وأبناؤهم الشيخ راشد بن سعيد وكل المسؤولين عن الحكم كانوا يحضرون ويصلون في مسجد «ابن دلموك»، وهو الجامع الكبير في بر دبي. وكان المفتي أيضاً. وكان هناك أيضاً الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن حافظ، والشيخ محمد الشنقيطي، والشيخ علي الجناحي، والشيخ مبارك بن علي، والشيخ يوسف الشيباني، والشيخ أحمد بن سوقات. كل هؤلاء وآخرون أمثالهم كانوا علماء يتصدرون المجالس ويقومون بالإفتاء، وينيرون لأبناء المنطقة سبل الحياة الدينية، وكانوا يتزاورون فيما بينهم ويتناقشون بهدف الوصول إلى الحقيقة وإلى خدمة الدين. الزكاة والصدقات لم تكن كثير من البيوت تكتفي باستخراج الزكاة في مواسمها، بل إنها كانت تجعل نصف العام للزكاة والنصف الثاني لتقديم الصدقة بقدر قيمة الزكاة. ويفسر ذلك بأنه مثلما كان مواطنو الإمارات يأتون بحصيلة الغوص مرة كل عام، ويعيشون عليها طوال العام، فإنهم أيضاً كانوا يحسبون حساب المحتاجين والفقراء من الزوار والمقيمين، وكأنهم بذلك يخصصون لهم مصدر دخل كامل لمعيشتهم طوال العام. وللأعياد في الإمارات فرحة كبيرة عند البدو كباراً وصغاراً ويستعدون له قبل قدومه بيومين، إذ يذهب الرجل البدوي إلى السوق في العين لشراء كافة ما يحتاجه وأسرته من كسوة العيد والعطور والبخور والكحل والحناء وزيت الشعر «الحل» وغيرها. وفي يوم «الوقفة» قبل العيد بيوم تضع النساء والفتيات الحناء وتجهز الملابس الجديدة، وفي صباح يوم العيد يرتدونها ويضعون العطر ويذهبون لصلاة العيد ثم للمعايدة على الجيران أهل «الفريج و»القصير» الجيران الأبعد، وتضع النساء والفتيات الزينة ويقيمون الولائم بأطيب الأكلات الخاصة بالعيد وينظم الرجال والشباب مسابقات مثل سباق للهجن والرماية، كما يتمتع الأطفال بالألعاب المختلفة. وتكون المائدة الرمضانية الإماراتية عادة عامرة بما لذ وطاب من الأكلات الرمضانية الشعبية المعروفة مثل: «الثريد والهريس والرطب واللقيمات والعصيد والمهلبية ومختلف أنواع الفواكه» ولم تتغير الأكلات الرمضانية الشعبية الى أيامنا هذه، إنما أضيفت للموائد فقط الفواكه والخضروات.. وتمثل موائد الإطعام عادة موجودة منذ عقود، لأن الفقير قد لا يجد ما يسد به رمقه وجوعه، وقد لا يجد كل ما يشتهيه كاللحم أو أنواع معينة من الفواكه والمأكولات، فينالها من موائد الجود والكرم التي تتحلى بها هذه المجالس الرمضانية الاماراتية المنتشرة في كل مكان إلى يوم الناس هذا. القمر نطّاط وصفت بعض المأثورات القمر بأنه «نطاط» بعكس الشمس، ذلك لأنه في بعض أيام الشهر القمري تكون هناك فوارق بين مواعيد غياب القمر اليوم وغداً. ولم يكونوا يعرفون سر ذلك، فقالوا: «القمر نطاط»، بينما الحقيقة أن القمر كونه قريباً من الأرض والأرض ليست كروية بالكامل، وهناك حركة ليست مستقيمة في خط واحد لا بد من اختلاف المواعيد. بلاد خير منذ القدم كانت رحلات الغوص التي اعتاد الأجداد والآباء القيام بها على مر السنين الطويلة الماضية خلال فصل الصيف، تتوقف خلال رمضان، إذا ما صادف حلوله في موسم الغوص، لأن الغوص يفطّر الصائم، ولكن تجدر الإشارة إلى أن رمضان يصادف صيفاً كل ثلاثين سنة مرة واحدة. وبالمناسبة نتذكر أنه رغم المجاعات والركود العالمي في السنوات البعيدة الماضية، إلا أن هذه المنطقة كانت مركزاً لتخزين الأطعمة بجميع أنواعها، والتي يتم توزيعها بالتالي على الأهالي وكل من يقصدهم، وخذ مثلاً أهالي حضرموت، وهي المنطقة المشهورة بالأمطار والزراعة اضطرت نتيجة لظروف تلك السنوات أن ترسل حتى الصحون والأدوات المنزلية البسيطة لتبيعها في الإمارات، وهناك بلدان أخرى اضطرت لإرسال سقوف منازلها الصالحة للاستعمال من أخشاب وغيرها لتسويقها هنا. الغبقة يمكن القول، إن عادة تقديم الأطعمة أو «الغبقة» الرمضانية العامرة خلال تلك الزيارات تعود أصلاً إلى أن الأكثرية كانوا يفطرون على القليل من الزاد، وبالتالي، فإن تلك الموائد تعبر عن مبدأ التكافل الاجتماعي ومساعدة المحتاجين وغير المحتاجين، فهم يفردونها للفقير والغني على السواء، وبعد أن تستمر تلك اللقاءات الجماعية التكافلية المشتركة قرابة ساعات يفترقون كل إلى شأنه حتى إفطار اليوم التالي، بل حتى صلاة الجماعة فجر اليوم التالي.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف