• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

الصوم شرقيّ المنشأ ولكل حضارة دوافعها لممارسته

يوبيل التسامح لدى المسلمين

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 18 يونيو 2015

حنا عبود

دوافع كثيرة تقف وراء الصوم: دينية، اجتماعية، سياسية، نفسية، أخلاقية، صحية، فئوية، فردية.. فأحياناً يحرن ولد لا يتجاوز الخامسة من عمره ولا يتناول طعاماً لأن أخاه صفعه أو لأن أباه لم يشتر له عصا يجعلها حصاناً في ساحة القرية، وبعض الأطفال المعاندين يستمرون في الامتناع عن الطعام أكثر من يوم. ويمكن ذكر الكثير من هذه الأنواع ابتداء من حرون الطفل حتى الصيام الراقي الذي أعلنه غاندي في السجن، لممارسة أنصاره العنف. وفي السجون السياسية نسمع كثيراً بالصوم احتجاجاً على ظلم أو تقصير أو ما شابه ذلك، كما فعل الزعيم الزنجي مالكولم إكس احتجاجاً على التمييز العنصري، وفي السجون الإسرائيلية الكثير من الأمثلة...

قد نجد حالات فردية جداً، ليس فقط عند الأطفال، بل عند الراشدين، فهذا صام للتخلص من مرض كبدي، أو وجع معدي أو قوباء جلدية، على الرغم من أنه يتعاطى الأدوية اللازمة من نطاسي مختص بهذا المرض أو ذاك. يبدو أن هناك بقايا عقيدة من العقل الجمعي نحتفظ بها، تعود إلى آلاف السنين، بأن الصوم يخلص الجسد من الآفات والآلام.. وقد نرى من نسميهم «الحسابين» أو «البرّاجين» أو «المغاربة» يعمدون إلى بعض الطرائق الخاصة قبل التصريح بما يتراءى لهم، زاعمين أن متخم الكرش تفوته الرؤيا، وما أقربهم إلى الصوفيين في هذا.

هناك دوافع يعتقد أنها لاتزال باقية في الأديان الحديثة من الأديان القديمة، ففي الأديان القديمة كانت عملية التنسيب تفرض على المنتسب أن يصوم، حتى تصفو نفسه ويصبح مهيأ- إلى جانب مراسيم أخرى- للانتساب إلى الدين الجديد. وفي حالة الصوم يجري التأكد من أن جسده صالح صحياً للصوم. ولا يعرف الباحثون إن كان المنتسب يمارس رياضة روحية تصله بعالم الغيب أثناء الصوم، أم أنه ترويض جسدي حتى تضعف إرادته ويكون متلقياً إيجابياً للعقيدة الدينية، ويرى مارسيا إلياد أن هناك مقاصد عدة لهذا الصوم. وفي الأديان الحديثة هناك صوم طوعي يقوم به الشخص من دون أي تكليف ديني، مع استخدامه الليتورجيا، فعندما سحبت السلطة في أوائل خمسينات القرن الماضي إلى الخدمة الإلزامية القرعة الأولى غادر القرية عدة شباب، صارت أم أحدهم تصوم صوماً صارماً وتواظب على صلاة الأحد، ولم تكن تفعل ذلك من قبل. ولما سألها خوري الضيعة عن هذا «الإيمان الجديد» أجابته لسلامة ابنها، فعاتبها الخوري «يا عيب الشوم، هذه رشوة لا يقبلها الرب، صلي من أجل سلامة الجميع» فقال زوجها: «إنها تقلد داود الذي ظل يصلي ما دام ابنه مريضاً، فلما لم يشف ومات في اليوم السابع قام واغتسل وتطيب وأكل، كما ورد في سفر صموئيل الثاني».

إذن، هناك العديد من الدوافع الخاصة، في العصور القديمة والحديثة، في حالات كثيرة التنوّع... من غير تكليف ديني، كلٌ بحسب اجتهاده، وخلاصة ما نريد تأكيده أن الفرض الديني ليس دخيلاً على الطبيعة البشرية، بل ربما قسا الصائم المجتهد على نفسه أكثر بكثير مما دعاه إليه دينه، وتاريخ النساك مليء بالأمثلة.

خارطة الصوم القديم

الصوم شرقي المنشأ، يقال إنه يعود إلى الديانة المصرية وربما في الديانة البوذية القديمة، ومن الصعب التمييز بين الصوم في العهود البدائية والصوم في العهود الدينية، ولكن الصوم انتشر انتشاراً واسعاً في البلدان الشرقية، فمعظم دياناتها تعتمد الصوم، إلى جانب أنواع أخرى من التطهر وتنظيف البدن والروح. إلا أن هناك ديناً حارب الصوم محاربة شديدة، وهو الزرادشتية، فأتباعه كانوا يولون الطعام عناية خاصة استعداداً للمعركة الكبرى القادمة بين أهورامزدا وأهرمان، بين إله الخير وإله الشر. وساعد هذا في بناء أجسام قوية استغله ملوك الفرس في إعداد جيش ضخم أمكنهم من بناء أكبر إمبراطورية في زمنها. وهناك أنواع من الصوم في أمريكا، وبخاصة في البيرو والمكسيك، تعود إلى الشرق باعتبارها شعوباً شرقية الأصل. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف