• الثلاثاء 04 صفر 1439هـ - 24 أكتوبر 2017م

تنظيم «داعش» يستكشف مناطق ضعيفة من الناحية الأمنية في أنحاء العالم، خاصة بالمناطق التي لا تستطيع الحكومات أن تضطلع بواجباتها لتوفير الخدمات لمواطنيها وحمايتهم.

«داعش» تالي.. كيف نحاربه؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 07 أكتوبر 2017

فيرا ميرونوفا*

عشت حياة مزدوجة في جانب كبير من العام الماضي، فقد كنت أرافق قوات العمليات الخاصة العراقية أثناء معركتها في الموصل لأشاهد الصراع عن كثب ضد تنظيم «داعش» الإرهابي، لكنني كنت أواصل أيضاً بحثي المستمر منذ أربع سنوات بشأن هذا التنظيم، وأجري مقابلات مع مقاتليه وأنصاره لأفهم الصراع من وجهة نظرهم.

وخرجت بخلاصة مفادها أن الانتصار في المعارك، واستعادة السيطرة على الأراضي لن يوقف «داعش» لفترة طويلة رغم الجوانب الإيجابية لتحقيق قوات التحالف للكثير من التقدم. فلن يوقف «داعش» إلا التغيير واسع النطاق في السياسات الحكومية. والسياسات المحلية التي تتعامل مع متشددي «داعش» والمقاتلين السابقين والمجندين المحتملين فيها لا تفي بالغرض ليس فقط في العراق، ولكن في كل دولة تقريباً من جنوب شرق آسيا إلى أوروبا الغربية.

ودول مثل ليبيا واليمن والفلبين ونيجيريا والصومال لا تتمتع الحكومات فيها إلا بالقليل من السيطرة الفعلية على بعض أراضيها، ما يجعل هذه المناطق أهدافاً سهلة لـ «داعش»، لكن الدول التي تفرط في سيطرتها القمعية، مثل منطقة القوقاز وجمهوريات وسط آسيا وبعض الدول الأفريقية تساهم أيضا في الأزمة لأنها تجعل حياة مواطنيها لا تطاق بما يدفعهم إلى مغادرة البلاد والعثور على حياة أفضل في «خلافة» الجماعة المتشددة.

وفي المناطق التي لا تستطيع الحكومات أن تضطلع بواجباتها لتوفير الخدمات لمواطنيها وحمايتهم، تستطيع جماعات مسلحة جيدة نسبيا أن تحكم سيطرتها بسهولة. والسكان المحليون الذين سئموا من سوء الإدارة لا يقاومون أياً من يفرض سيطرته، بل يرحب السكان بهم في الغالب. صحيح أن النجاحات العسكرية التي تحققت في الآونة الأخيرة، وفرت للحكومات فرصة لمعالجة قضايا مثل الفساد المتفشي، لكن هناك مؤشرات قليلة على التحسن. فهناك قدر كبير من الفساد وسط قوات الأمن العراقية، وهو ما استغله تنظيم «القاعدة» لمصلحته. وكان التنظيم إذا أراد استقطاب مدني في صفوفه، أبلغ قوات الأمن العراقية أنه عضو في «القاعدة»، ويتعرض هذا المواطن للاعتقال والتعذيب ولا يتم الإفراج عنه على الأرجح إلا بعد دفع أسرته المال غصباً. وبعد هذه التجربة المريرة يصبح المواطن أكثر استعداد في الغالب للتطوع في أي حركة مناهضة للحكومة. ولم تخف حدة الإفراط في استخدام القوة في بعض البلدان بل تفاقم. وتشن حكومات كثيرة حملات مشددة ضد الحريات الدينية والشخصية في معالجتها لمشكلة داعش. وهذا يفاقم المظالم وسط الأشخاص الذين كان من المحتمل بشكل أكبر أن يتصدوا للجماعات المتطرفة، ويدفع هؤلاء الأشخاص لأن ينضموا لهذه الجماعات.

وتنظيم «داعش» يستكشف مناطق ضعيفة من الناحية الأمنية في أنحاء العالم، وهذا البحث قد يمتد إلى أماكن بعيدة مثل الفلبين. وتحاول «داعش» استعادة الأراضي التي تم تحريرها في الآونة الأخيرة في العراق.

وأعضاء الجماعة، إما إنهم يشنون حرب تمرد في المناطق الريفية النائية، أو يكمنون في مدن للاستعداد إلى المزيد من الهجمات. و«داعش» لا تكسب حالياً أرضاً جديدة، لكن القدرة الكامنة على كسب مقاتلين جدد لم تضعف. وهناك جيل جديد من المتطرفين، ومنهم المدنيون السنة المحليون الذين فقدوا كل شيء في الحرب، ويخافون بالفعل على أمنهم، وهناك قائمة جديدة من المتعاطفين الشباب الأذكياء الذين يستطيعون استخدام معرفتهم بالهندسة والعلم والجيش لخدمة أهداف جماعة مسلحة.

و«داعش» التالية التي سيقودها مقاتلون أصحاب خبرة متعطشين للانتقام ستكون أكثر فتكاً وانتشاراً. والائتلاف المناهش لـ «داعش» في العراق وسوريا يسيطر على المنطقة بقوته الجوية، لكن المتطرفين بدأ يطورون فعلاً طائراتهم التي بلا طيار. وهذه الطائرات تصنع اليوم من البلاستيك المعاد تدويره والأشرطة اللاصقة، وستكون أكثر خطورة في المستقبل. وبالنظر إلى الواقع الحالي، فكلانا، أنا والمقاتل الأجنبي السابق في «داعش»، لديه أسباب للتفاؤل. أنا متفائلة لأن الحكومة العراقية ستستعيد السيطرة على الأراضي، وهو متفائل لأن رفيقة السابق في السلاح سيذهب إلى الفردوس، وسيأتي مقاتلون جدد ليحلو محله.

*باحثة في الأمن الدولي في مركز بلفر في جامعة هارفارد.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا