• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

عطر المونديال

هي دموع فرح ولا ندم

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 02 يوليو 2014

بدر الدين الإدريسي

كل الدموع التي ذرفناها جميعاً كعرب والمنتخب الجزائري يغادر المونديال البرازيلي من دور الستة عشر، لم ولن تكون دموع ندم ولا حتى دموع حسرة.

نشعر بالشجن القريب من الغبن ومحاربو الصحراء يبعدون من الدور ربع النهائي، بعد تلك المباراة البطولية والدرامية في آن واحد، ونشعر بانقباض كبير، وقد توقفت الأسطورة الجزائرية عند الفصل الألماني تماماً، كما كان الحال مع أسود الأطلس في مونديال 1986 بالمكسيك، ولكن أبداً لن نعض الأنامل غيضاً وحزناً على منتخب جزائري أبكانا لروعة ما أنجز على أرضية الميدان، أبكانا فرحاً بسفره الجميل إلى مدن الخوارق ليأخذ له مكاناً في متحف الخالدات الرياضية على قلتها عربياً، وأبكانا لروح الأبطال التي اتصف بها، وهو يصارع الطواحين والأفلاك والصحون الدوارة.

تنازعتني مشاعر كثيرة خلال مباراة المنتخب الجزائري والمنتخب الألماني في ثمن نهائي المونديال، مشاعر الاعتزاز مما شاهدته مجسداً على ساحة العطاء والإبداع ومحاربو الصحراء يفرضون على الألمان قاعدة هي من وحي الأساطير القديمة، أن الأشجار لا يمكن إلا أن تموت واقفة، وأن المانشافت إذا كانت به رغبة للعبور إلى الدور ربع النهائي فعليه أن يمشي على الأشواك والألغام وأن يستدعي ما بداخله من عفاريت لأن من يقف في المواجهة منتخبا جزائريا لا يقبل بالمشي على جثته.

وفي صورة طبق الأصل مما توقعته بالنظر لما كان يتحرك في وعي اللاعبين الجزائريين من إصرار على الذهاب لأبعد مدى في كتابة الملحمة، ولما أعرف أن كرة القدم اليوم قد قلصته من مساحات كروية وفنية وتكتيكية، وللهيئة التي شاهدت عليها المنتخب الألماني، جاء النزال مفتوحاً على الدهشة، فمن كان الأجدر بالوصول إلى المرمى في الجولة الأولى هو المنتخب الجزائري الذي توصل بـ «كوتشينج» أكثر من رائع لمدربه وحيد خليلودزيتش إلى فرملة الاندفاع الألماني المؤسس على جماعية الحركة وقوة الاختراق وأيضاً إلى إظهار نواياه الهجومية عندما قرر اللعب بسليماني وسوداني في جبهة هجومية يشد لجامها الرائع فيغولي.

وقد كان بعض الحظ وقليل من الجسارة اللذين يغيبان في مثل هذه المباريات عن منتخبات بيع جلدها بأبخس الأثمان، كفيلين بأن يضعا المنتخب الجزائري في الوضع المثالي الذي كنا نتمناه، قبل أن تزداد الآلة الألمانية ضراوة عند الدوران في الجولة الثانية ليشع في سماء بورتو أليغري ضوء الحارس رايس مبولحي الذي قدم نفسه خلال هذا المونديال أسطورة في قلب أسطورة، ولئن كان المنتخب الجزائري قد أوصل الألمان والخوف يخترق أضلعهم إلى الشوطيين الإضافيين اللذين كسرا المراكب والجدارات لنفاد المخزون البدني، فإن من أسهم في تمديد زمن الإثارة والحلم هو رايس مبولحي الذي كانت له تدخلات بطولية استحق عليها من «الفيفا» لقب أفضل لاعب في المباراة.

مع الشعور بالفخر أن منتخب الجزائر سفير كرة القدم العربية الوحيد في مونديال البرازيل، صالحنا مع الملاحم والإليادات الكروية التي كنا نظنها قد زالت عن سمائنا، وأثبت أن لنا رأسمالاً بشرياً لا بد وأن نستثمره على نحو مختلف مما هو عليه الحال اليوم، مع هذا الإحساس بالاعتزاز بما أنجز بالبرازيل نتأكد من شيء واحد هو أن كرة القدم العربية أحوج ما تكون إلى ما يعزز الثقة بقدراتها وممكناتها.

شكراً لمنتخب الجزائر الذي زادنا تعلقا بعروبتنا، شكراً له لأنه أعاد إلينا الأمل المفقود.

drissi44@yahoo.fr

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا