• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

ثلاث مزايا تستمد منها كندا قوتها على المدى البعيد: المصادر الطبيعية، والحكومة الجيدة، والانفتاح الثقافي الواسع المبني على التسامح

كندا.. هل تصبح دولة عظمى؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 17 يونيو 2015

لقد فرغت لتوّي من قراءة كتاب بعنوان «الطوفان» لمؤلفه «آدم توز» يتناول المراحل التاريخية التي جعلت قوة الاقتصاد الأميركي قادرة على تغيير مسار التاريخ خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية. وبات من شبه المستحيل بالنسبة للجيل الحالي أن يدرك مدى الزخم الذي بلغه هذا التحوّل. وتدرك الغالبية العظمى من شعوب العالم بأن الولايات المتحدة كانت تمثل دائماً الدولة الكبرى التي تقود الأسواق والابتكارات، وتتكفل بتحقيق الاستقرار الجيوسياسي في العالم.

وأما الآن، فيمكن القول بأن هيبة الولايات المتحدة بدأت بالانحسار. وبالرغم من أن عدد سكانها لا يزيد على ربع عدد سكان الصين، فلا توجد ثمّة فرصة لأن تواصل ريادتها للاقتصاد العالمي ما لم تتعرض الصين لانتكاسة اقتصادية ضخمة. ولكن، وعلى المدى البعيد، ما التحوّل الذي يمكننا أن نتوقعه فيما يتعلق بالتغير المنتظر في ميزان القوى الاقتصادية العالمية؟. يمكنك أن تتوقع عودة الولايات المتحدة إلى موقع الريادة طالما أن انفتاحها على الهجرة يسمح لعدد سكانها بالنمو حتى بعد تراجع مستويات الخصوبة والقدرة على الإنجاب إلى الحضيض. وبالطبع، يمكن لعدد السكان الهائل في الهند أن يجعل منها قوة اقتصادية عظمى أيضاً. ولكن، خلال القرنين المقبلين، سيبرز اسم دولة أخرى تتوفر كما أعتقد على حظوظ أوفر للتحول إلى قوة عظمى من الناحيتين الاقتصادية والثقافية. وهذه الدولة هي كندا.

وبعدد سكانها الذي يبلغ 31.2 مليون نسمة (إحصاء عام 2013)، وذات المناخ المتجمد ومعدل الخصوبة الذي لا نظير لانخفاضه، فإن من غير المحتمل ترشيح كندا لأن تصبح دولة عظمى. إلا أنها تحتكم إلى ثلاث مزايا تستمد منها قوتها على المدى البعيد. وهي: المصادر الطبيعية، والحكومة الجيدة، والانفتاح الثقافي الواسع المبني على التسامح وتقبل الآخر. وفيما يتعلق بالمصادر الطبيعية، تعدّ كندا بلداً لا يُجارى من حيث توفر مصادر المياه العذبة المتجددة. وهي تحتفظ بموقع الدولة المرشحة الأولى للحيازة على هذا المصدر المهم خلال القرنين المقبلين. ولا يتفوق عليها في هذا المجال إلا الولايات المتحدة والبرازيل. وتبدو نسبة الأرض الصالحة للزراعة فيها والبالغة 4.6 بالمئة من مجمل مساحتها، صغيرة، إلا أنها ستتسع مع تزايد تأثيرات التغير المناخي وتراجع الجبال الجليدية. ويمكن القول بأن كندا يمكنها أن تتسع لعدد كبير من القادمين الجدد إليها.

وتمثل الحكومة الجيّدة ميزة أخرى تضاف إلى عناصر القوة التي تتمتع بها كندا. وهي ما زالت تحافظ على تصنيفها ضمن الدول العشر الأقل معاناة من ظاهرة الفساد في العالم وفقاً لتصنيف منظمة الشفافية الدولية. وعلى سبيل المقارنة، تحتل الولايات المتحدة موقعاً أخفض، وتُصنف من بين الدول العشرين الأولى الأقل فساداً. وهذا شيء مثير للإعجاب لو أخذنا بعين الاعتبار غناها الطبيعي بالوقود الأحفوري، والذي غالباً ما يدفع بلدان العالم الأخرى لأن تكون أكثر فساداً، وهي الظاهرة التي تُعرف باسم «لعنة المصادر الطبيعية». وتتميّز المؤسسات الكندية المستقاة من أفضل الركائز والتعاليم التي تسود نظيراتها في المملكة المتحدة، باستقرارها الذي يحاكي الصخر في صلابته. وربما تكون لهذه القدرة التنظيمية المؤسساتية الكندية الفضل في نجاحها ببناء أفضل منظومة للرعاية الصحية في العالم. وهي تعتبر دليلاً قاطعاً على الثقة التي يوليها المواطنون لحكومتهم.

كما أن هذه المؤسسات الكندية القوية سمحت بابتداع سياسات اقتصادية أقل إثارةً للجدل والاختلاف، مثل الضريبة المنخفضة على الشركات والتي تبلغ 15 بالمئة من العوائد (بالمقارنة مع الولايات المتحدة التي تبلغ فيها تلك الضريبة 35 بالمئة)، وهي التي مكنت كل الأطراف من أداء أعمالها بطريقة أفضل بكثير مما هي الحال في الولايات المتحدة. ولعل الصفقة الرابحة الكبرى بالنسبة للمؤسسات الكندية هي سياسة الهجرة. وفيما يولي نظام الهجرة في الولايات المتحدة جلّ اهتمامه لإعادة لمّ شمل الأسر والعائلات، فإن كندا تركز على توظيف أفضل وألمع المهاجرين. ويلتزم «البرنامج الفيدرالي الكندي للعمال المهرة»، بقبول المهاجرين المرشحين استناداً إلى «نقاط» التصنيف التي تعتمد على مستوى المهارات اللغوية والثقافة العامة والخبرة في أداء العمل والعمر وأيضاً بحسب الوظائف الشاغرة. وتُجمع هذه النقاط كلها تحت مسمى «مستوى التكيّف». ويُذكر أن هذا البرنامج مخصص لقبول المهاجرين الدائمين، خلافاً لبرنامج (H-1B) المعمول به في الولايات المتحدة والمخصص للعمال الضيوف ذوي الإقامة المؤقتة.

ومع مضي الوقت يمكن لهذا التدفق المنظم للمواهب المهاجرة أن يجعل من كندا واحدة من المراكز الاقتصادية العالمية الجديدة، التي تستقي قوتها من البحث العلمي والقدرة على الإبداع والاختراع.

نوح سميث *

* محلل سياسي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «تريبيون نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا