• الأحد 24 ربيع الآخر 1438هـ - 22 يناير 2017م

بهائم وخلائق وعذابات فائضة

موسيقا الذَّبح

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 11 فبراير 2016

عبد العزيز جاسم

يروي حكيم الصين، صاحب نظرية «الحرية المطلقة»، تشوانغ تسي (369 – 286 ق. م)، في واحدة من إلماعاته المهمة، حكاية طاهٍ للملك أخذ يذبح بقرة أمام مولاه، في يوم من الأيام. فما كان من الملك الصيني «هوي»، من مملكة «وي»، إلا أن أخذ يراقب بإعجابٍ كبيرٍ حركات الطاهي أثناء ذبحه للبقرة. فكان الطاهي «عندما يأخذها باليد (يقصد البقرة)، ويحملها على كتفه، ويدوسها بالقدم، ويضغط عليها بالركبة، [فإنه يقوم] بحركات إيقاعية مرتبة، وأنه يقطع البقرة بسكّينه بحركات مثل رقصة «سانغلين»، وبصوت مثل ألحان موسيقى «جينغشو»(1). قد تبدو هذه الحكاية الصينية، القادمة من فضاءات ما قبل الميلاد، عادية من فرط بساطتها، وكأنها لا تقول شيئاً، بل حتّى إنها لا تحتاج منّي للتوقف عندها. ولكن، هل هي بهذه البساطة فعلاً؟ أم أن هناك معنى خافياً وعميقاً فيها، ولم نتبين كنهه بعد؟ لنستمر في المتابعة إذاً!

1

شخصياً، وقبل أن أطلع على هذه الحكاية، لم يَدرْ بذهني مطلقاً ولا في يوم من الأيام، وحتّى لو تماديتُ في تخيّلي، أن أجد رابطاً محتملاً ولو ضئيلاً، قد يجمع بين عملية ذبحٍ مستفظعة مثل تلك، وبين فنٍ تعبيري مرهفٍ كالرقص والموسيقا. إذْ ما الذي يجمع مثلاً، بين تمساحٍ يفترس طريدته وعندليب يغرِّد فوق شجرة، أو بين إرهابي كالبغدادي وموسيقار كبيتهوفن؟ هذا مع العلم بأننا لا نتحدث هنا عن حكاية أسطوريّة أو شعريّة، وإنما هي مُسْتلَّة من صلب الواقع العادي، لطاهٍ يذبح بقرة بطريقة استعراضية، أمام مولاه ولمولاه، ويجعله ينسى حقّ البهيمة ومقامه، ويستمتع ويعجب بما يراه.

غير أن هذا المشهد نفسه، ظلَّ يومض بسؤالٍ جوهري أخذ يعذّبني: إذْ ما معنى الرقص والغناء على دم كائن مذبوح؟ وكيف يمكن لمن يقطّع بسكّينه أوصال كائن حي، حتّى ولو كان بهيمة، أن يحتفل وينتشي إلى هذا الحد؟ ثم كيف يمكن لمَلِكٍ يفترض أنه يحكم رعية، أن يكشف ظهره ورغباته الدفينة بهذه السهولة، ويوافق في حضوره على إجراء استعراض سادي مثل ذلك؟

في البدء، ليس عليَّ التوكيد، بأن هذا المشهد، مشهد ذبح الحيوانات والأضاحي، يتكرر آلاف أو ملايين المرات يومياً، وفي بقاع الأرض كلها، وبمفاهيم وأشكال مختلفة أيضاً. ولكن قبل كل هذا، علينا أن نفهم وندرك جيداً، أن التعامل مع الضحيّة الذَّبيحة ليس أمراً سائباً ومتروكاً على عواهنه، وإنما هناك شرائع وقوانين دينية ووضعية ملزمة، تؤكد حقّ الحيوان عموماً، والحيوان الذي يعدُّ للذّبح خصوصاً، بألا يهان، ولا يعذَّب، ولا يُحْتَقَر، ولا يتمّ التشفي والانتقام منه، وألا تتحوّل لحظة نَحْرِه إلى مادة للَّعِب والتسلية والاستعراض. هذا مع العلم، بأن جميع الحضارات الوثنية القديمة قد قدَّست الحيوانات، واتخذتها آلهة ورموزاً لها، كالفرعونية والهندية والصينية والإغريقية وبلاد الرافدين وغيرها. فكيف إذاً يتمّ التعامل معها بهذه الطريقة الشائنة واللاأخلاقية، وهي التي عاشت في كنف الناس واستقرت في بطون الناس، في نهاية المطاف؟ ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف