• الجمعة 26 ربيع الأول 1439هـ - 15 ديسمبر 2017م

كتابات ينجدل فيها الشعر بالسرد بالمشهد

الجدران.. مغسولةً بالضَّحك

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 05 أكتوبر 2017

إعداد وتقديم - عماد فؤاد

كثيرًا ما تتناول بعض كتابات نقّادنا العرب الفروقات بين الفنون الكتابية المختلفة على نحو فيه كثير من المغالطة: يتميّز الشِّعر بكذا وكذا، ولا يستحبّ فيه كذا وكذا، وتتجلّى الرواية في هذه التقنية ولا تبرع في تلك، وتتفرّد القصة القصيرة بهذا أو بذاك، ولا يجب عليها أن وأن...، ثمّة ولع موغل في نخاع ثقافتنا العربية بـ«القولبة»، بوضع كلّ فنّ كتابي تحت لافتة كبيرة برّاقة، ليحتمي بها ويتمترس خلفها، ناسين أن الفنون جميعها صارت، ومنذ عقود طويلة خلت، تتقاطع وتتشابك مع بعضها بعضاً، فصار المسرح الحديث يستفيد من تقنيّات السينما والفوتوغرافيا والسينوغرافيا، كما يستفيد من الشِّعر وفنون السرد المختلفة، وصار الشِّعر الجديد يستفيد من القصة القصيرة والسينما والرواية، كما يستفيد من الموسيقى والفنون التشكيلية والمسرح، وتستفيد الرواية من كل هذه الفنون مجتمعة، فمثلها كمثل غيرها، لم تعد فنًّا منعزلًا عن التأثّر بالفنون الأخرى، كتابية كانت أم سينمائية، تشكيلية، موسيقية أو غيرها.

في النصوص الإبداعية التي نقدّمها اليوم مؤشر كبير على هذا التداخل والتشابك بين فنون الكتابة المختلفة، فبدءاً من أعمال التشكيلية الكبيرة إيفيلن عشم الله، والتي نستضيفها اليوم إلى جوار النصوص، سنلمح هذا الحس الشعبي المرتبط بالكتابة في لوحاتها، كأنها ترسم جداريات على جدران البيوت الشعبية، وتضيف إلى بعضها عبارات مكتوبة بالعامية أو بالفصحى، كما يحدث عادة في رسوم السيرة الهلالية، مروراً بقصائد الشاعر السعودي المتميّز أحمد الملا، والتي تأخذنا في سرد هيستيري إلى فضاء آخر من الواقعية الجديدة، الواقعية المرعبة بالأحرى: «دون استئذان تسلّلَ الغرقى. زحفَ العالمُ على ركبتيه ورمى جسدَهُ المهشَّم على الكنبة. لقيتُ الصباحَ راجفًا في ركنِ الصالة، شهدتُ طلقاتِ قنّاصين تخطئني بالصُّدفةِ المحضة، قنابلَ موقوتة تتدلّى من السقف، أحزمةً ناسفة تقفزُ من غرفةٍ إلى غرفة»، أليست هذه سينما؟ نراها تتجسّد أمام أعيننا كلمة بعد كلمة، مكونة مشهداً وراء مشهد؟!

ينطبق الأمر ذاته على قصة «سائق» للقاصّ والروائي المصري حمدي الجزَّار، حيث تحل عين القارئ محلّ عين الراوي الجالس في المقعد الخلفي لسيارة تاكسي وهو ينصت إلى مكالمات السائق العديدة، لنكتشف ونحن نلهث مع الراوي كي يصل إلى عمله بسرعة، شخصية هذا الدجّال المتخفّي في صورة سائق يخرج الجن من أجساد ضحاياه بالوهم والإيهام: «يا أخي قلت لك، إحنا خلّصنا على ما كنت تشكو منه، قلت لك إنه جن أحمر كافر، حرقناه بفضل الله، أنت بخير الحمد لله، توكّل على الله وروح ميعادك».

وفي قصيدتها «كقزم يتقدّم ببطء داخل الأسطورة»، نجد الشاعرة الجزائرية لميس سعيدي تؤرّخ لمسيرة الشِّعر وعلاقته بالسرد ومصير عموده الأبدي: «صار السرد جزءاً من القصيدة، كأنّنا فرشنا الخيمة فأصبح اللحاف أطول من السيقان»، وفي المجتزأ الذي اخترناه من الرواية المقبلة للكاتبة والمخرجة السورية عبير إسبر، نجد أنفسنا أمام مشهد روائي كتب بتقنية المونتاج السينمائي السريع: مشهد سقوط الأب على الدرج، بقعة الدم تحت أذنه، ومشهد اعتقال الراوية في المطار.

وأخيراً ثلاث قصائد للشاعرة البحرينية وضحى المسجّن، تكتب وضحى قصائد حلمية، خفيفة تتهاوى بطيئة في الهواء كما لو كانت ريشات سقطت من جناح طائر، في واحدة من ضرباتها الجميلة تقول وضحى: «كل مرّة أشاهدها في فيلم / ولا أهرب / أندم قليلًا / وأصدّق أن جواب الحياة هو السينما».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا