• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

في البال

تلك أيام خلت..!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 01 يوليو 2014

يرتبط رمضان عندي بتلك الطقوس العفوية لاستقباله في قريتي التي تغفو على آخر هضبة في شمال الأردن، وتسهر كل ليلة تناجي شقيقاتها هضاب سوريا وفلسطين على مرمى وردة، وتستنشق هواء جنوب لبنان، كان كل شيء يبدو جميلاً نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، وكنا ننتظر الأذان في الحارات وبين الأزقة، اذ لم تكن الكهرباء قد وصلت، ولا مكبرات الصوت لها مكان بيننا، وحين يصعد المؤذن على سطح الجامع الحجري وينادي “الله أكبر” كنا نركض كل باتجاه بيت أهله لنعلن بصوت عال: “أذّن... أذّن...”، وكان للجوع والعطش دلالات أخرى غير ما يجري اليوم من نوم في النهار للأبناء وصحو على المسلسلات حتى الفجر، فقد كان تحدياً بيننا من يصوم أياما أكثر ولا يفطر، وكان الأمر يرتبط بالعيب أكثر من ارتباطه بالحلال والحرام، إذ لم تكن قد هطلت علينا كل تلك الكتب الصفراء التي انشغلت بتفاصيل دقيقة لتقسيم كل سكنة وهمسة في حياتنا إلى حلال وحرام وجعلت بالتالي حياة الناس أكثر بؤسا..!

للتراويح طعم آخر أيضا، فلم تكن طويلة كما هو عليه الوضع اليوم، ولم يكن إجباريا أن يبقى الجميع حتى نهايتها، وكان السحور عادة يومية لا نحيد عنها، وغالبا ما كنا نفيق على صوت “المسحر” الذي يقرع طبله بإيقاعات مشوقة تسحب النائم من فراشه بسلاسة، وكانت قراءة القرآن يوميا بحيث يتم ختمه في نهاية الشهر أمرا لا نحيد عنه..!

كان للأشياء كلها من حولنا طعم آخر، التواد والتراحم ونبذ الخلافات، وإرسال الطعام إلى الجيران، والسهرات في الليل لسماع أحاديث لا تنتهي، ولم تعد قائمة اليوم حتى في القرية نفسها، إذ أن كل عائلة تنشغل بأفرادها، وعادة ما يمضون جل النهار والليل متمسمرين أمام الشاشة التي تبث الغث والسمين، وتخدر القلوب والعقول...!

لم يكن معنى “اللهم إني صائم” كما هو عليه اليوم، إذ هو نوع من التهديد غالبا أن المرء المخاطب قد وصل إلى قمة غضبه، بينما في الماضي تعني نوعا من الاعتذار او تنبيه النفس عما يمكن ان يبدر منها. وكان أمراً غير محتمل أن يجاهر المرء بالإفطار أمام الناس، وأذكر أن عائلات مسيحية من جيراننا كانوا يصومون معنا، ولا يظهرون إفطارهم أبدا، واليوم تجد أبناء المسلمين أنفسهم يجاهرون بالأمر دون أي احترام للمجتمع وللصائمين..!

حقا لقد تبدلت أشياء كثيرة، لكن رمضان أصبح فرصة اليوم للقراءة بالنسبة لي سواء القرآن أو الكتب أو الروايات، وبالنسبة للتلفاز فنادرا ما أشاهده، وأكتفي بالأخبار أحيانا والأفلام الوثائقية، غير أني لا يمكن أن أضيع وقتي الثمين في مشاهدة المسلسلات ومتابعة تفاصيل الحلقات، والذي أقوله في النهاية إنه رغم تبدل الزمان، وطغيان ضريبة التكنولوجيا السلبية على الناس، والمغريات الكثيرة فإن على المرء أن يشعر بأن الصيام عبادة خاصة بينه وبين ربه، أفطر الناس أم صاموا، وأن يبرمج نفسه الأمارة بالشهوات على أن تخضع لروحه النورانية بالتأمل وجسده المتطلب بالامتناع على الطعام وكل ما يثير الحواس، وتلك لعمري مهمة غير يسيرة إلا من ولج إلى روح العبادات وفهم المقصد منها، وجعلها تجربة له لا عليه، ولا يملك المرء دوما إلا التفاؤل بجيل جديد أكثر روحانية منا، وتأملا وانتصارا لمكارم الأخلاق...!

روائي وإعلامي من الأردن يعمل في الإمارات

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا