• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

الشيخوخة المؤسسية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 17 نوفمبر 2016

ليست المؤسسات - على تنوع مجالاتها وحجمها - ببعيدة عن الأسقام والأمراض والفيروسات وتجاعيد الزمان وتحديات الدهر، ولهذا، فإن حاجتها دائمة ومتجددة للتشخيص والوقاية والعلاج وإجراء الفحوص الدورية والتأكد من اللياقة المستمرة، وليس الاسترخاء والانكفاء والاكتفاء بنجاحات عارضة دون رؤية مستقبلية. وباستعراض الأمراض التي يمكن أن تصيب المؤسسات، سنجد تنوعاً بين أمراض عرضية وأخرى مزمنة وثالثة ترتبط بالعمر المؤسسي، مثل الاكتئاب والحزن والاضطراب والقلق وفقدان القدرة على تجديد وصناعة حلم مؤسسي يناسب كل مرحلة عمرية.

وكما أن العمر يخطُّ تجاعيده على جسم الإنسان وتوهِنه الأسقام، كذلك المؤسسات التي احتفت يوماً بالنجاحات، واشتعلت زواياها بتفاصيل التميز، وزينت أروقتها لوحات الريادات، قد يصيبها من الوهن ما أصاب شركة «Nokia» التي سيطرت يوماً على 40% من حصة السوق، وساهمت بربع النمو الاقتصادي الفنلندي، حيث اهتزّ عرشها سريعاً، وتفاجأ العالم بسقوطها المدوِّي، بعدما عجزت عن مجاراة التقدم التكنولوجي والتحوّل الرقمي السريع، وفي المقابل نرى بارقة أملٍ على هيئة «محرّك بحثٍ» ابتكره «سيرجي برين» وصاحبه «لاري بيج» أسمياه «Google»، وأطلقاه عام 1998م ولم تكن تتعدى استجابته 10 آلاف طلب بحث يومياً، ليجيب اليوم على عدد لا حدّ له من الطلبات، ويحوز على أعلى قيمة سوقية تقدّر بحوالي 537 مليار دولار.

يكفينا أن نتعرّف إلى منظومة العلل المؤسسية من خلال أساليب تشخيص للأعراض، ونضع أيدينا على الأوجاع المشتركة بين تلك المؤسسات المتهاوية، على رأسها غياب الرؤية، أو ضبابيتها، وإهمال التطلع إلى نتائج مستدامة وثيقة الارتباط بعوامل النجاح التي تُشكَّلُ بأنامل العاملين والمتعاملين والشركاء، ما يجعلها حاضرة بهيكلها واسمها الباهت، غائبة بأثرها وقيمتها، كما تخبرنا نتائج الفحص والتشخيص المؤسسي بخصومة تلك المؤسسات مع سبل التحسين المستمر، والمعرفة التشاركية التي تفتح النافذة على أفضل الممارسات الإقليمية والعالمية؛ بهدف اعتلاء منصّة الإبداع والابتكار، وأكثر نتائج الفحوص المربكة، تلك التي تضعنا في مواجهة أمراض مزمنة، تتمثّل في المركزية والتناحر الوظيفي وعدم الاعتراف بالإنجازات، وغياب التقدير والثقة والعمل الجماعي والشفافية وثقافة الإنجاز، واستشراف المستقبل، تلك الآفات تضع المؤسسة في مأزق التقادم، وتجمّد دماء التطور والتجديد في عروقها، ليعتريها عند ذلك المشيب، وتنال الشيخوخة من قواها.

يقدّم كلٌّ من «دارن جلو» و«جيمس روبنسون» في كتاب «لماذا تفشل الأمم» تجارب عالمية مقارنة شمولية مؤسسية بين الكوريتين قبل الحرب وبعدها، كما يذكر أمثلة أخرى من منطقتنا العربية، تكشف عن الهوة الكبيرة بين تقدّم الدول والمؤسسات وتقادمها.

وباستعراض بعض المؤسسات الأعلى قيمة عالمياً، والتي لا تعرف «الشيخوخة»؛ لأنها تعيش شباباً دائماً ومتجدداً، نجد مثلاً شركة «آبل»، التي قدمت عام 1984 نظام «ماكنتوش» كأول نظام تشغيل ناجح، بواجهة رسومية، وفأرة للمبدع «ستيف جوبز»، تصل قيمتها السوقية اليوم أكثر من 628 مليار دولار، و«مايكروسوفت» بقيادة «بيل جيتس» التي انطلقت بمبلغ أقل من مليون دولار، تصل قيمتها اليوم إلى أكثر من 440 مليار دولار، أما موقع Facebook الذي أطلقه «مارك زكربيرج» قبل سنوات قليلة، فتصل قيمته السوقية اليوم أكثر من 368 مليار دولار.

ومع تحديات حاضرنا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: هل حقاً تمتلك مؤسساتنا العربية الحالية أرصدة صحية وآليات وقائية واحترازية وعلاجية تجعلها تتجاوز مقصلة الشيخوخة والاندثار، وتلحق بقطار العافية المؤسسية ولو في آخر عرباته، قبل أن تصبح تلك المؤسسات ذاكرة مطوية في جسد هزيل عليل، شاخ قبل أوانه، وصار فعلاً ماضياً في زمانه!!

الدكتور - عماد الدين حسين

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا