• السبت 29 صفر 1439هـ - 18 نوفمبر 2017م

«الضاد» ومبادرات القراءة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 29 يناير 2017

يقول فولتير«سُئلت عمن سيقود الجنس البشري، فأجبت الذين يعرفون كيف يقرؤون»، فالقراءة بصيرة نافذة، وعين أخرى على المستقبل، ولا يمكن لأمة أن ترتقي في السباق الحضاري دون أن تكون القراءة هي الأساس المتين الذي تتكئ عليه، لقد عشت مع الكتاب منذ طفولتي، كنت أقرأ الروايات وكتب الأدب القديمة، وكنت أفرح عندما أجد ضمن المقرر المدرسي نصاً أدبياً لرواد الثقافة العربية، وأحاول حفظه، وأصبح الكتاب مع مرور الأيام صديقي في السفر، وفي الأوقات التي أجد فيها نفسي محتاجاً للخروج من حيزي وفضائي الذي أعيش فيه إلى عالم آخر أرحب يتسع صدره لي ويتسع صدري له، وخلال السنوات الماضية قادت الإمارات حملتها التنويرية ضد الرتابة الفكرية، فطرحت مبادرات القراءة بشكل جدي، وهو ما يُحدث في الوقت الحالي تغييراً في المجتمع، فأن تكون قارئاً فمعناه أنك موجود بين الناس، حاضراً على محيط كوكب الأرض، وإذ كنت لا تقرأ فأنت خارج نطاق الزمن، وإذا كانت القراءة هي دواء الإنسان، ومسند الراحة، فإن القراءة باللغة العربية شيء ممتع، وعندما يتعمق المرء في التعرف على لغة الضاد وينظر إلى الأساليب البلاغية التي انطوت عليها، والتي شكلت ماضي الجزيرة العربية وحاضرها، يجد أن العربية لغة موسيقية تدخل إلى الوجدان بسهولة، والعرب قديماً جعلوا اللغة مادة الحوار اليومي، فبرعوا في الحديث بها، وصاغوها شعراً خالداً، وخطباً تليدة، لدرجة أن اللغة قبل ظهور الإسلام وصلت إلى مرحلة كبيرة من الثراء اللفظي، والخيال الواسع، ففتن بها العرب، وبخواصها الجمالية الباهرة، وجاء الإسلام فرقق لغة أهل الجاهلية، وأكسبها حيوية، وأتاح لها سبل الديمومة والخلود من خلال القرآن الكريم المعجز في بيانه والذي تحدى أهل الفصاحة أن يأتوا بشيء مثله ولو بآية، واللغة العربية ميراث كبير، ونهضة حضارية ملهمة، ومن المهم الاستفادة من كم المبادرات التي تدعو إلى القراءة، ولدينا رصيد فكري كبير في لغتنا العربية في كل الفروع، ومن الضروري أن تتطلع عليه الأجيال وتتزود منه وتحرص على الغوص في تفاصيله حتى يتمكنوا من اللفظ العربي المستقيم، وتستقيم في الوقت نفسه أيضاً الكتابة، ويعتدل اللسان حتى لا تذوب لغتنا في الآخر، ويطغى عليها لغات ليست أكثر كفاءة منها، فمن الأشياء غير المستحبة أن يُلحن العربي في لغته، وأن يقف عاجزاً عن كتابة رسالة نصية على هاتفه لصديق على سبيل المثال، أو يتعثر في القراءة أمام أولاده عندما يستدعونه ليشرح لهم بعض المعاني في كتاب المطالعة.

اللغة ذخيرة الأيام ومكون رئيس من مكونات الهوية الوطنية، فالأمم تعرف بلغاتها، والإمارات بقيادتها الكريمة وشعبها الأصيل وحرصها الدائم على التقدم في جميع المجالات، والحفاظ في الوقت نفسه على سر تفوقها الذي وصلت إليه بالجهد والاجتهاد، تسعى لترسيخ قيم القراءة، وأن يكون الكتاب جزءاً من مهام الفرد اليومية، وفي هذا الموطن فإن استثمار هذه المبادرات الكبيرة والمهمة في تعميق الوعي باللغة العربية من خلال الكتاب أمر في غاية الأهمية، وهو مسؤولية مجتمع بأكمله، بحيث لا يقتصر الأمر على الناشئة والشباب، ولكن أيضاً على جميع فئات المجتمع، فمن الضروري أن يكون لدى الكبير والصغير، الرجال والنساء، اهتمامات بالقراءة، فما تقدمت به هذه المبادرات من مبادئ كفيل، بأن يحدث تغييراً في المجتمع، لأنها قادرة أيضاً على أن تعيد للغة العربية مجدها القديم، فيعود اللفظ العربي بحيويته إلى أبناء العربية، والجميل أن اللغة العربية نفسها جاذبة وممتعة، والقراءة بها تحدث نوعاً من اعتدال المزاج.

محمد عمر الهاشمي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا