• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

باب الهَم

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 17 نوفمبر 2016

زاهرة محمد

بدا له أن لهذا الصباح طعم الموت! أكثر من طعم الحياة! سيما بعد مغادرة النوارس للنهر؛ إذ (كلما حلقت النوارس عالياً تذكر النهر أخطاءه).

ها هو يقف قرب نهر دجلة يرمي ما تبقى من أحزانه على حافة النهر-مكرراً هذه الجملة- نظر إلى الأزقة العابقة بأهازيج النسوة، شاي الظهيرة، براءة الأطفال وضحكاتهم... تركض أقدامه دون وعيٍ مثل هرولة الجند المخذولين؛ حين يتذكر الحروب عصفت به... يذرف دمعةً ثمّ يلوذ بالكتابة عن حمى الحرب: (لا شيء في هذا العالم يضاهي تجربة الحرب والموت)، يسير بأقدامه المتعبة حتى يخيم المساء.

الزقاق الطويل يعلن عن صوت المؤذن، وأجراس الكنائس تخاطب أذنيه: (إنَّه يوم الأحد، إِنَّه يوم حب الحياة). ظل يردد جملته -ساخراً- وهو يدخل الزقاق العتيق، وتتعالى أصوات الأطفال رويداً رويداً في الزقاق وهم يلعبون كرة القدم، تصل الكرة تحت قدمه فيركل باب الهمّ؛ ويتناثر تراب الحرمان حوله فيمسك الكرة بيده ويقدّمها للصبي الذي أمامه متبسماً كطفل صغير، يغادر وهو يتحسس تجاعيد وجهه، يجلس في ركن الزقاق يدخن أيامه مقلباً أوراق العمر، هنا كانت (كاميليا) تفتح له الشباك وهو يسلمها رسالته الأولى: لقد مر العمر سريعاً... ينظر بعينين حنونتين صوب الأطفال وهم يلعبون، في هذا العالم الذي يشهد تجربة الحرب والموت بالنسبة لهم؛ الحياة لوحة خلقها الله لينعموا بألوانها معاً يداً بيد، دون أفكار مسبقة أو أحكام تالية، ويسرح بعيداً متذكراً طفولته ومَن عرف من أصدقائه وكيف غيّرهم الزمن! وكيف نبتت طفولتهم زهورَ فلٍّ ونرجس وأحيانا أُخرى شوكاً وصباراً!

كان يتمنى أن يكبر هؤلاء الأطفال الذين لا يعرفون سوى هذا الزقاق الصغير وحنينهم فقط للعائلة المترابطة بالحبّ، أن لا ينسوا أحضان أمهاتهم أو دموعهن كيلا يتحولوا إلى هؤلاء المتوحشين الذين استطاعوا أن يحولوا رشاشات الماء إلى بنادق دم هوجاء.

عيسى رجل عاش نعومة روحه قبل أن يجلدها القهر في هذا الشارع، يعرفه طابوقةً طابوقة، يعرف الوجوه جميعها، تفاصيل البيوت؛ حنين الأمهات وأصوات العصافير، هو (ذاكرة الحي) كما يطلقون عليه، لأنه كان يرفض أن يغادر محلته الصغيرة لأي مكان آخر، كان يؤمن بأن هذه الشوارع الصغيرة تختصر له الوطن؛ ففيها يولد ويموت ليعود، لا للتراب لكن للجدران القاسية التي اعتبر نفسه عمودها وبنيانها وذاكرتها المؤلمة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف