• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

المعلومات الاستخباراتية التكنولوجية عادةً ما تفتقر إلى السياق الذي ينبغي أن يوضع فيه حوار تم التقاطه أو رسالة تم اعتراضها

الجاسوسية الجديدة.. بشر وتكنولوجيا

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 12 يونيو 2015

في عصر اعتراض الرسائل الإلكترونية والضربات التي تنفذها طائرات من دون طيار وكاميرات المراقبة التي غزت كل مكان، قد يعتقد كثيرون أن الجواسيس التقليديين باتوا جزءاً من الماضي. إذ ماذا عسى البشر، مهما علت قدراتهم ومهاراتهم، أن يحققوا مقارنة مع العيون الرقمية التي ترى وتسجل كل شيء؟ لكنهم مخطئون جداً، وفق كتاب «الجواسيس الجدد» لمؤلفه ستيفان جري. صحيح أن لعبة الجاسوسية تغيرت وتتغير، لكن الحاجة لتلك المصادر التي تمشي وتتحدث وتجمع المعلومات السرية لم تكن أكبر مما هي اليوم.

في هذا الكتاب، وعنوانه الفرعي «داخل عالم الجاسوسية من الحرب الباردة إلى الإرهاب العالمي»، يكشف الكاتب والصحفي البريطاني ستيفان جري نسبية العمل التجسسي وعدم يقينيته، وكيف أنه كثيراً ما يكون عرضة للخطأ البشري وضحية للتفاؤل المفرط بشأن قدرة التكنولوجيا، ويسوق مثالا دالا ومعبّراً؛ ففي الأشهر القليلة السابقة لغزو العراق عام 2003، وقعت وكالات الاستخبارات الغربية في خطأ فادح حين اعتقدت بصحة مؤشرات تفيد بأن الرئيس العراقي السابق صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل، وهو ما شكّل المسوغ الرئيس الذي وُظِّف لتبرير غزو العراق. ويعتقد «جري» أن مصدر هذه الثقة التي لم تكن في محلها هو مواطن عراقي ظهر في ألمانيا أوائل سنة 2000 بقصة تفيد بأن صدّام أصدر أمراً بإنشاء مختبرات متنقلة للأسلحة البيولوجية. هذه الشهادة ترسخت كيقين لدى ضباط وكالات الاستخبارات الغربية، ومثّلت الدليل رقم واحد في خطاب كولن باول أمام الأمم المتحدة في فبراير 2003، عندما حاجج بأن الدليل على امتلاك صدام لأسلحة دمار شامل دامغ لا يقبل الشك.

لكن الحقيقة المزعجة، يقول جري، ليست هي «تطويع الأدلة والتلاعب بها أو المؤامرة المتخيَّلة بين جورج بوش وتوني بلير، وإنما حقيقة أن المعلومة الاستخباراتية نفسها كانت خاطئة». ويعترف المؤلف بأن بوش وبلير كانا يرغبان فعلا في الذهاب للحرب، لكنه يضيف أن الأدلة المتوفرة وقتئذ بخصوص أسلحة الدمار الشامل كانت تدعمهما، لأن وكالاتهما كانت تصدقها، ولأنهما أيضاً كانا يرغبان في تصديقها.

وحسب المؤلف، فإن المعلومات الاستخباراتية كثيراً ما تكون منحازة ومبالغاً فيها على أمل نيل الإشادة والمكافأة، وقد تكون كذبة إذا كان العميل مزدوجاً. وبالمقابل، فإن المعلومات الاستخبارتية التكنولوجية، المتجردة والمتحررة من سطوة القلب والمشاعر نظرياً، تعطي الانطباع بالدقة واليقينية، لكنها أحياناً تكون أسوء لأنها عادة ما تفتقر إلى السياق الذي ينبغي أن يوضع فيه حوار تم التقاطه أو رسالة تم اعتراضها.

وهنا يستعيد جري تركيب أحداث، وهي قاتلة نفذتها طائرة من دون طيار ضد رجل اكتشف هو ومحققون آخرون لاحقاً أنه ليس هو قائد «طالبان» الذي كان مراقبو الـ«سي آي إيه» أمام شاشاتهم يعتقدون أنه هو. لكن سرعان ما تبين أن الضحية زعيم محلي نافذ كان يسافر بمعية فريق من موظفي الانتخابات، والذين هلك العديد منهم في تلك الضربة.

ويبدو «جري» ممسكاً بناصية موضوعه، محيطاً بكل جوانبه. ومن خلال حديثه إلى عدد كبير من العاملين في قطاع الاستخبارات، يقدِّم ما يشبه مخططاً للتجسس المتطور في عصر الحركات الإرهابية المتطرفة، مؤكداً أن العنصر البشري يظل هو الرقم الأهم في معادلة العمل التجسسي والاستخباراتي، وليس التكنولوجيا، في خاتمة ستنزل برداً وسلاماً على أنصار المدرسة التجسسية الكلاسيكية. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا