• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

أزمة الديون الأوروبية التي بدأت مؤشراتها الخطيرة في جنوب القارة، وأزمة اللاجئين في عام 2015، أوحتا معاً بافتقار الاتحاد إلى خطط سياسية فعالة

الهولنديون.. ضد الاتحاد الأوروبي!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 09 فبراير 2016

جيمس نيوجير*

لم يعد الأوروبيون من دعاة «اللاانتماء السياسي للاتحاد» ينتظرون ما تقوله صناديق الاقتراع وحدها، بل إن المخاطر الكامنة وراء الانسحاب البريطاني المحتمل منه، وما آلت إليه نتائج استطلاع لآراء الهولنديين حول الموضوع، توحي بأنهم ما عادوا بحاجة لاتخاذ مواقفهم وفقاً للسياسات التي تنتهجها حكوماتهم. ويمكن للهولنديين الذين سبق لهم أن عبروا عن تأييدهم المطلق للاتحاد منذ بداية تأسيسه، أن يمثلوا الآن نموذجاً لمواطنين متعددي المشارب والتوجهات يطالبون بإلغاء المعاهدة التجارية الأوروبية- الأوكرانية. وهم يرون أن أوكرانيا لا تمثل القضية المهمة التي يرغبون في متابعة مجرياتها والاستماع لتفاصيلها.

وفي هذا السياق قال «بارت نيجمان»، المحرر والمحلل في موقع «جين شتيجل» الإخباري الهولندي، وهو واحد ممن ابتدعوا فكرة الاستفتاء الجديد في هولندا: «أولاً وقبل كل شيء، يمثل هذا الاستفتاء إشارة تحذير لكل من حكومتنا ولبروكسل ذاتها». وأشار إلى أن المعاهدة المعقودة مع أوكرانيا تمثل نقطة البداية لقضية أكثر أهمية هي مؤدى السؤال: إلى أي حد يمكن للقرارات التي يتخذها الاتحاد الأوروبي من دون الرجوع إلى رأي الناس، أن تشكل خطراً؟

وكان لأزمة الديون الأوروبية التي بدأت مؤشراتها الخطيرة في الظهور منذ عام 2010 في جنوب القارة الأوروبية، ثم أزمة اللاجئين في عام 2015، أن توحيا معاً بالافتقار إلى خطط سياسية ناجحة على مستوى صناعة القرار في الاتحاد الأوروبي. وكان لليسار السياسي في أوروبا موقفه المعارض للسياسات الحكومية المتبعة لمعالجة مشكلة ظهور «رأسمالية المقرضين» التي تشبه نظيرتها في الولايات المتحدة. وكان الجناح السياسي اليميني، وخاصة إلى الشمال من جبال الألب، يرى أن العدو الحقيقي أصبح يظهر بأكثر من مليون وجه، من بينها وجوه طالبي حق اللجوء السياسي الذين تدفقوا من بلدان مثل سوريا والعراق وأفغانستان وتجمعوا بأعداد غفيرة في أوروبا العام الماضي ليهددوا بإحداث خلل في النظام الاجتماعي القائم هناك فضلاً عن الخطر الإرهابي الكامن في وجود بعضهم. ولهذا الموقف الأوروبي اليساري نظيره في أميركا المتمثل بأعضاء تجمع «حفلة الشاي» التابع للحزب الجمهوري، أو دعاة ثقافة إقامة الجدران العازلة التي ينتهجها «دونالد ترامب».

ويتلخص المطلب المشترك للفريقين (اليسار واليمين)، في الدعوة إلى تطبيق الديمقراطية المباشرة، والإنصات بعناية لأصوات الغالبية الصامتة التي تمثل الوسط السياسي الأوروبي. وليس الهولنديون وحدهم هم الذين يطالبون بإخضاع القرارات السياسية للاقتراع العام، بل إن بريطانيا التي تشهد جدلاً مشابهاً حول مشكلة الهجرة، تخطط لإجراء اقتراع مشابه في شهر يونيو المقبل لاستبيان رأي الشعب عما إذا كان يوافق أو لا يوافق على الخروج من مجموعة الدول الثماني والعشرين التي تشكل الاتحاد الأوروبي. ويمكن استقاء العبرة من سويسرا التي لم تنضم إلى الاتحاد، وهي التي تعد دولة رائدة على المستوى العالمي من حيث حرصها على الاستماع لرأي شعبها في كل ما تتخذه حكومتها من قرارات. وقد سبق للناخبين السويسريين أن أعربوا عن رفضهم المطلق للانضمام إلى الكتلة الأوروبية. وفي سبر للآراء نظم عام 2014، عبروا عن رغبتهم في وضع حد لمشكلة منح تراخيص العمل بالجملة لجيرانهم الأوروبيين.

وعكس تصويت الهولنديين في استطلاع الرأي حول العلاقات مع أوكرانيا، الذي نظم في 6 أبريل 2015، القلق الشعبي المتزايد من البقاء في المنظومة الأوروبية. وعبر اليسار السياسي عن خوفه من انتشار البطالة في أوروبا وقلقه من التدابير المتعلقة بالبيئة، فيما أعرب اليمين عن مخاوفه من تفريغ مفهوم الدولة من محتواه.

وبالعودة إلى استطلاعات سابقة لاستبيان رأي الهولنديين، عبر 49 في المئة منهم عن مواقفهم «الإيجابية بتحفظ» أو «الإيجابية المطلقة» من الاتحاد الأوروبي في استطلاع نظم عام 2009 على رغم أنه أجري في ذروة الأزمة الاقتصادية التي كانت تعاني منها منطقة اليورو. وأما اليوم، فقد انخفض هذا الرقم إلى 34 في المئة. ويمكن أن يعزى ذلك إلى سياسة «المحافظ المالية المفتوحة» لإنقاذ اقتصادات دول الجنوب المترنحة وفتح الحدود أمام النازحين.

ويقود الجناح الهولندي المعارض لهذا الواقع الجديد السياسي اليميني المتطرف يدعى «جيرت فيلديرز» الذي يترأس «حزب الحرية». وهو الذي رفع شعارات عنصرية رديئة مطالباً بطرد كل المسلمين من هولندا، وطالب بخروج هولندا من منظومة الاتحاد الأوروبي. وفي شهر مارس الماضي، حوكم بتهمة ممارسة العنصرية ضد مهاجرين من المغرب، ولكن المفارقة أن حزبه فاز بتأييد غالبية أصوات الناخبين في الاستطلاع الأخير.

* محلل سياسي في الشؤون الأوروبية مقيم في بروكسل

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا