• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

منهج فوكو ومتن سعيد

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 10 نوفمبر 2016

د. خزعل الماجدي

يشير كمال أبو ديب مترجم كتاب الاستشراق لـ«إدوارد سعيد» في مقدمته التي وضعها للترجمة العربية إشارة سريعة لعلاقة هذا الكاتب بأعمال المفكر الفرنسي ميشيل فوكو (Michel Foucault)، باعتباره جزءاً من ثورة جديدة في الدراسات الإنسانية تضرب جذورها في الماركسية والثورة الألسنية والبنيوية، وما يكاد يكون مدرسة جديدة من – التاريخ الجديد – تنتسب بعمق إلى أعمال ميشيل فوكو بشكل خاص.(1)

ويؤكد مؤلف الكتاب ما ذهب إليه مترجمه حين يصرح في مقدمته بأنه استخدم (مفهوم ميشيل فوكو للإنشاء الكتابي، كما يصفه في كتابيه، علم آثار المعرفة وأدب وعاقب ذا فائدة هنا لتحديد هوية الشرق).(2)

وقد وجدنا أن هذه الإشارات العابرة ليست عابرة، كما أراد المترجم والمؤلف أن يصورها، بل هي في حقيقة الأمر روح الكتاب ومنهجه وهي سر عبقريته.. فقد تلقف إدوارد سعيد المنهج البنيوي الأبستمولوجي الذي شيده، ميشيل فوكو عبر أكثر من ربع قرن، متوغلاً من بنية الثقافة الغربية وإظهار مشكلاتها واختناقاتها، وطبقه على حقل لم يخطر على بال البنيويين الكبار، هو حقل الاستشراق، فقد مرت الثورة التي أحدثها المنهج البنيوي في حقل الدراسات الإنسانية على جميع مفردات هذا الحقل (الأنثربولوجيا، تأريخ المعرفة، علم النفس، الماركسية، الاقتصاد، الاجتماع، وقبل كل هذا اللغة)، ولم يخطر في بال أحد أن المنهج البنيوي، وتحديداً المنهج البنيوي الأبستمولوجي، الذي أقامه فوكو، يصلح تماماً لفحص المشهد الاستشراقي الذي يمتد لألف سنة تقريباً، وهكذا يكون إدوارد سعيد قد قام بجهد عظيم وجبار عندما أخذ من الغرب منهجاً جديداً حاكم به الغرب نفسه في علاقته مع الآخر، هكذا نرى تدفق النتائج المدهشة التي يزخر بها الكتاب. لقد أمسك إدوارد سعيد ما يشبه المصباح (الذي أخذه من فوكو) وكشف لنا مجاهيل العصاب والعنف والمركزية التي يحفل بها تاريخ الاستشراق، وقد استعمل هذا المصباح بمهارة فائقة لم يكن يصلح لها إلا إدوارد سعيد نفسه بحكم توغله في معرفة هذه المناهج الحديثة، بل وعده أحد أسمائها المهمة من جهة وكونه عربياً فلسطينياً وقع عليه مثل هذا الحيف الاستشراقي ورآه متجذراً في صلب الثقافة الغربية. لقد حاولنا في بحثنا هذا تتبع وإضاءة هذا الجانب، وهذا المنهج على قدر ما عرفناه عن فوكو من ناحية، وعن كتاب الاستشراق من ناحية أخرى، وسيكون من الصعب وصول هذا البحث لكماله ومثاليته بحكم تشعب وتغلغل المنهج في المادة البحثية، ولكن إثباتها وتوضيحها كانا من أهم غايات هذا البحث متجنبين التأثيرات الأخرى على مؤلف هذا الكتاب ونقده بصورة شاملة، كما أننا نرجو أن لا يتبادر إلى الذهن أن في بحثنا هذا ما ينقصه من جهد مؤلف كتاب الاستشراق، بل بالعكس، فنحن نرى إن الاختيار الذكي للمنهج والموسوعية الكبيرة للكتاب والأداء اللغوي والتعبيري العالي لنسيج أفكار الكتاب، والصدمة التي أحدثها الكتاب للمستشرقين أولاً، ولعامة القراء الغربيين والشرقيين ثانياً، هي صلب جهد وعبقرية إدوارد سعيد.

منهج إدوارد سعيد:

إن اعتبار حقل الاستشراق واحداً من العلوم الإنسانية التي أنتجها الغرب هو الذي مكن سعيد من تعيين المكان الذي سيعمل فيه، مثل محقق شرطة يستطيع أن يستجوب تاريخ هذا الحقل ويستنطقه ويُظِهر جرائمه ومحاولات تخفيه وسلاح جرائمه والطريقة التي ارتكبت بها الجرائم. وكان يحتاج إلى منهج جديد نشط يلاحق به هذا التاريخ ويعريه، وهكذا وجد سعيد ضالته في منهج فوكو، لأنه انتبه إلى إن هذا المنهج كشف تعسف الغرب إزاء نفسه فَلِم لا يستطيع كشف هذا التعسف تجاه الآخر. يتمسك إدوارد سعيد بمنهج واضح وثابت في البحث عن قوى ومنظومات الاستشراق عبر مسرد تاريخي/‏ نقدي واسع، ويجهد نفسه كثيراً في اشتقاق الآليات أو الكيفيات التي كان الاستشراق وما زال يعمل بها باعتباره صيغة العلاقة التي رسمها الغرب مع الشرق، وينجح سعيد في رصف الأمثلة واشتقاق قوانين هذه الآليات.. ويبدو لنا الاستشراق في نهاية كتابه أمراً مفزعاً حقاً.. وأول من سيفزع منه هو المستشرق أو الباحث الغربي، الذي سيرى بأنه قد مارس بوعي أو بلا وعي قسراً تعسفياً نحو الشرق كان ينبعث دائماً من الشعور الباطني بالتفوق والسيادة، بل التعصب الغربي نحو الشرق، ويتلخص منهج سعيد بالكلمات الثلاث التي وضعها تحت عنوان الكتاب الرئيسي، وهي (المعرفة. السلطة. الإنشاء)، وهذه مفردات فوكوية اعتاد ميشيل فوكو استعمالها في منهج بحثه البنيوي في تاريخ المعرفة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف