• الجمعة 03 ربيع الأول 1438هـ - 02 ديسمبر 2016م

الإنسانية تفتقر إلى الروح.. والعالم يتجه نحو الكارثة

حضارتنا معتلّة.. ومختلّة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 11 يونيو 2015

سعيد توفيق

الحضارة ظاهرة مقترنة بالإنسانية، والإنسانية مقترنة بالقيم. ومعنى هذا أنه لا يمكن أن نختزل مفهوم الإنسانية في خاصية واحدة أو بُعد واحد، فلا يمكننا - على سبيل المثال- أن نقنع بمجرد القول بأن الإنسان حيوان اجتماعي أو مدني بطبعه، بمعنى أنه يميل بفطرته إلى الاجتماع بغيره من الناس والتعاون معهم؛ لأجل تدبير حاجاتهم المشتركة، وهذا أصل نشأة الصناعات التي تعتمد على جهود متباينة لكثرة من البشر. غير أن القول بأن «الإنسان حيوان اجتماعي» لا يقدم لنا فرقاً نوعياً يميز النوع الإنساني عن غيره من الأنواع الحيوانية؛ فمن المعروف أن التجمع، ومن ثم التعاون، يوجد في عالم النحل والنمل من خلال نظام اجتماعي دقيق، ربما يفوق أحيانًا نظام البشر: فالنحل يبني خلاياه من خلال عمل دقيق منضبط، يتطلب نظاماً اجتماعياً من التنسيق والمشاركة شديد التعقيد! غير أن «التجمع» أو «الاجتماع والتعاون» ليس بذاته فضيلة أو قيمة أخلاقية؛ لأنه يمكن أن يكون- كما هو الحال في عالم الحيوان- وليد الغريزة والطبع؛ فهو ليس نتاجاً لإرادة حرة فردية واعية تعبر عن نفسها من خلال المحاولة الدائمة لتجاوز الأوضاع والنظم الاجتماعية السائدة والمستقرة. وبذلك يمكن القول بأن التجمع أو الاجتماع في حد ذاته، ليس هو ما يميز التحضر الإنساني، وإنما ما يميزه حقاً هو قدرة الإنسان على التعبير عن وجوده من خلال إبداعات فردية تحاول تجاوز الأوضاع والنظم الاجتماعية المستقرة. غير أن هذا الإبداع لا يعني نبذ ما هو قائم، وإنما يعني تجاوزه من خلال تطويره، وهذا هو معنى التقدم.

اعتلال الأخلاق والروح

وإذا لم يكن التجمع أو الاجتماع البشري- في حد ذاته- طابعًا مميزًا للإنسان؛ ومن ثم للحضارة، فإنه يحق لنا أن نتساءل عن طبيعة تلك القيم الإنسانية الأخرى التي تميز الإنسان وحده باعتباره صانعًا للقيم؛ ومن ثم للحضارة. غير أن الأخلاق من بين القيم جميعًا لها مكانة خاصة في فهم الحضارة، كما أكد ذلك كثير من فلاسفة الحضارة. ولذلك فإن الإنسان الحديث ربما ينعم بالجانب المادي المرفَّه من الحضارة المعاصرة، ولكنه- في الوقت ذاته- يفقد حريته الاقتصادية عندما يصبح أسيراً للعمل اليومي المرهق لتدبير قوت يومه، وهو عمل يُستهلَك فيه لحساب رأسمالية متوحشة، تسعى للاستغناء عنه تدريجيًا كلما تقدمت الآلة وأمكن أن تحل محل البشر. وبذلك يفقد الإنسان المدني المعاصر استقلاله الروحي، ومن ثم يفقد إنسانيته: ويتبدى هذا حينما يصبح غير قادر على أن يخلو إلى نفسه، ويفقد صلته بالطبيعة، بل بالبشر المحيطين به، حتى في مكان مكتظ بالسكان؛ بسبب السرعة واللهاث الذي يعيش فيه، والاتصال الآلي الذي يفتقر إلى الطابع الشخصي الإنساني، الذي أصبح مألوفًا في الحياة المتمدينة التي تُسقط الجانب الروحي للإنسان من حسابها!

ولذلك فإن اشبنجلر Spengler في كتابه «انحلال الغرب»- الذي صدر بعد الحرب العالمية الأولى- يتنبأ بموتها حوالي سنة 2400. ولو تأملنا موقف اشبنجلر، لوجدنا أن العلل الأخلاقية والروحية (بمعنى اعتلال الأخلاق والروح) هي التي تكمن وراء اعتقاده في أن الحضارة الغربية في مرحلة أفولها: لأن هذه الحضارة يسودها الآن منطق الآلية والقوة المادية؛ إذ يُقاس كل شيء بقوة الأحصنة وبقيمته النقدية، لا بقوته الروحية، وتسود الاتجاهات اللادينية، ويغيب عنها الإبداع الفني والفلسفي، وتحركه القوى الاقتصادية والمادية والسياسة. مثل هذه الحضارة لا بد أن تكون قد فقدت طاقتها الروحية وقدرتها الإبداعية.

إن هذا المنحى الأخلاقي في فهم الحضارة، وتفسير نشأتها وتدهورها، نجده أيضاً عند توينبي، ومن قبل عند ابن خلدون. حقًا إن ابن خلدون كان يتحدث عن الحضارة الإسلامية، إلا أنه كان يتخذ من تاريخ هذه الحضارة مادة خصبة يمكن أن يستخلص منها قوانين عامة تفسر نشأة الحضارة وتدهورها. فابن خلدون يصور لنا دور التحلل الخُلُقي في انهيار الدولة، وذلك في معرض حديثه عن الترف من حيث تأثيره النفسي والأخلاقي. ولا شك أن الترف له تأثير سلبي على اقتصاد الدولة، يتمثل في إسراف الحاكم وبطانته، بل الرعية أو المواطنين أيضاً؛ لأن الناس على دين ملوكهم؛ فيلجأ الحاكم لزيادة المكوس (جباية المزيد من الضرائب) ليفي بخراج الدولة (أي المنصرف)، وقد يلجأ الحاكم (أو الحكومة) إلى مشاركة الناس في أرزاقهم بالمشاركة في البيع والشراء، فتفسد الأسواق، وتُباع بضائع التجار بثمن بخس. وهذا الخلل الذي يتحدث عنه ابن خلدون هو ما يُعرَف الآن بالعجز في موازنة الدولة.

توينبي والتفسير الأخلاقي ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف