• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

بيان الماركسي التّاوي

اليُتْم الحكيم..!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 11 يونيو 2015

محمّد آيت حنّا

تكاد وضعيّة عبد الكبير الخطيبي في الثّقافة العربيّة تكون مطابقة تماماً للوضعيّة الثانية، أي وضعية ما لا يقبل التّصنيف. وهي الوضعيّة التي تجعل منه (تماماً مثل بنيامين وكافكا) حالة فكرية وأدبيّة أكثر منه أديباً ومفكّراً. وبالفعل كانت مشكلة الثّقافة العربية مع الخطيبي دوماً مشكلة مَوقَعة: أين علينا أن نصنّف هذا الرّجل الذي يعلن عن نفسه ضدّ كلّ تصنيف؟ لقد جاء الخطيبي في فترة كان فيها الفضاء الثقافي يطالب بتقديم أوراق الانتماء، ولم يكن للخطيبي أوراق ثبوتية ليقدّمها. اللهم نصوصه التي تخترقها سيرته ورؤيته لذاته في غير ما موضع. ولعلّ على رأس تلك النّصوص نصّ «المناضل الطّبقي على الطّريقة التاوية» الذي لم يتم الالتفات إليه بما يكفي للأسف، على الرّغم من أهميّته البالغة في فهم متن المفكّر المغربي في كليّته.

يضيق حيّز هذا المقال عن عرض إشكالية تجنيس هذا العمل، فالنّاشر الفرنسي كان قد وضع على غلاف الكتاب مفردة قصيدة، وبيّن الشّاعر العراقي كاظم جهاد الذي نعتمد هنا المقاطع بترجمته، أنّه فضّل تجنيس الكتاب بمسمّى شعر، مع تأكيد عدم اعترافه لا هو ولا الخطيبي بالحدود المفروضة بشكل تعسّفيّ على الأجناس. وأحسب أنّ إشكالية تجنيس هذا العمل ليست إشكالية خارجية، بل تمسّ جوهر موضوع النّص نفسه، لأنّ النظر إلى النّص في علاقته بمشكل التّلقي يعيدنا إلى سؤال التّصنيف الذي طرحناه أعلاه، وهو سؤال واجه كلّ نصوص الخطيبي تقريباً، فقلّما تمّ الانتباه إلى وجوب دراسة كلّ نصّ في فرادته دون السّعي إلى إلباسه لبوس الأطر الضّيقّة التي يفرضها التّجنيس الأدبي. فالمشكل نفسه الذي كان يواجه الخطيبي (هل هو سوسيولوجي، أم شاعر، أم فيلسوف، أم ناقد، أم مفكّر، أم أديب...؟) هو نفسه الإشكال، الذي يواجهه كلّ نصّ من نصوصه، بما فيه النّص موضوع حديثنا. أفضّل هنا اعتبار النّص بياناً شعرياً، بياناً يعالج عبره الخطيبي (وهنا تكمن أهميّته) جانباً من الإشكالات السّابقة.

كيف رسم الخطيبي بورتريهاً ذاتيا لنفسه في هذا الدّيوان؟ وما ملامح المناضل الطّبقي على الطّريقة التاوية؟

المناضل الماركسي

لا ريب في أنّ المقولات والمفاهيم المهيمنة على الديوان هي مقولات ومفاهيم ماركسية. ولا ينكر الخطيبي انتماءه الماركسي، بيد أنّه نوع من الانتماء الطوباوي (والطوباوية أيضاً تتطلّب مع الخطيبي فهماً خاصاً جداً) إنّه كالانتساب الصّوفي الثّوري إلى دينٍ من الأديان. فهو لم يكن ماركسيَ العقيدة، لكن من جهة أخرى يمكن اعتباره الأكثر ماركسيّة من بين أبناء جيله، إذ يكاد يكون الوحيد الذي أفاد من الماركسية في الاتّجاهين معاً: الاشتغال بمقولاتها ومفاهيمها المنتِجة، ومن المنهج الجدليّ والماديّ، ومن جهة أخرى إغناء هذا الفكر نفسه بمساءلته من الدّاخل، وجعله يكشف عن إمكاناته، بل وحتّى تلقيحه بما قد يبدو بعيداً تماماً وغريباً كلّ الغرابة عنه من قبيل فكر لاو تسو.

يحدّد الخطيبي منذ الأسطر الأولى للعمل موقفه من نوع خاص من الماركسيين، أولئك الذين يأخذون بالكلمة بدل الأثر، فالماركسية عندهم تستحيل إلى مجرّد كلمات ومقولات (التّاريخ، الإيديولوجية، اللاشعور)، وكأنّما تلك المفاهيم أنسوخات (بتعبير جيل دولوز) يمكن أن نجعلها أطراً ثابتة ونسقطها على أيّ إشكالية دون أن نأخذ بعين الاعتبار الاختلاف والفرادة التي ينطوي عليها كلّ مظهر من مظاهر هذا العالم الشّديد التنوّع: ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف