• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

عطر المونديال

«سيزيف» في البرازيل

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 25 يونيو 2014

بدر الدين الإدريسي

هو مجرد إحساس لا أدعي أن له نسبة عالية من الصدقية ليتأسس عليه حكم قيمة أجزم به أمامكم، ولكن ما شاهدته من منتخب البرازيل في مبارياته الثلاث عن الدور الأول والتي تحصل منها على سبع نقاط وصدارة تفوق فيها على المنتخب المكسيكي بفارق الأهداف يقول إن السيليساو يكاد يكون صورة طبق الأصل من منتخب لاتيني آخر هو التانجو الأرجنتيني، وكلا المنتخبين يعتمد بالمطلق على عبقرية لاعب هو البدر إن افتقدته المباريات تحولت إلى ظلام حالك وإلى محرقة للأحلام، وإن طلع في سمائها نشر البهجة والفرح، وأغدق على منتخبه مما أفاء الله عليه من موهبة خارقة ومن قدرة على تليين الحديد.

لم يكن المنتخب الأرجنتيني ليبلغ النقطة السادسة من مباراتين ويطمئن على مروره للدور الثاني بشكل مبكر لو لم يكن هناك الداهية ميسي الذي يطلع بالأهداف الحاسمة من رحم المعاناة، ولن يكون بمقدور أي منا أن ينفي عن الساحر نيمار ذاك النزق الجميل الذي يولد معه ليغير مجرى الأحداث داخل المنتخب البرازيلي، ونيمار من المباريات الثلاث للسيليساو وقع أربعة أهداف كلها سجلت في توقيتات حاسمة كان يشعر خلالها البرازيليون بحالة اختناق قوية للأداء الجماعي أقرب إلى عجز عن حل المعضلات التكتيكية التي يطرحها المنافسون، حتى إنني أشبه ما يفعله نيمار وميسي في منتخبي البرازيل والأرجنتين بما فعله سيزيف في الميتولوجيا الإغريقية عندما حمل لمرات عديدة الصخرة من السفح إلى القمة تنفيذا لحكم بالعذاب الأبدي، مع فارق كبير بين الصورتين أن ميسي ونيمار يحملان الصخرة مرات ومرات لتحقيق الفرح الأزلي.

بالقطع احتاجت منتخبات وضعت اليد مرة ومرتين وحتى ثلاثا على كأس العالم إلى لاعبين خارقين وعبقريين من طينة ميسي ونيمار لبلوغ القمة والجلوس على عرش الكرة والقلوب، فالبرازيل لتنال بمنتهى الجدارة كؤوس العالم الثلاث سنوات 1958 و1962 و1970 احتكمت على لاعب أسطوري هو بيليه والأرجنتين عند تحقيقها للقبي 1978 و1986 استضاءت بنور خارق لماريو كامبيس، وتظللت بأسطورة دييجو مارادونا وفرنسا التي لهثت وراء اللقب العالمي لسنوات ستجد ضالتها سنة 1998 عندما قيد لها أن تلعب بالخارق زين الدين زيدان، ولكن مع أنطولوجية وأسطورية وعبقرية كل هؤلاء الذين ذكرتهم ولم أذكرهم والذين يطبعون حقب كرة القدم العالمية بطابع الإبداع الخارق، كانت هناك روح الفريق، فبعد خوارق اللاعب - النجم تأتي عبقرية الأداء الجماعي التي تتغلب على ما يكون في العادة من أفخاخ يتم نصبها ومن ألغام يتم زرعها للإطاحة بالنجم المطلق.

هذا الأداء الجماعي الموصل إلى قمة المجد والنجاح هو بالتأكيد ما يفتقده اليوم منتخبا البرازيل والأرجنتين، أو على الأقل افتقاده في الجولات الثلاث للدور الأول، فبرغم تحصيل الانتصارات والنقاط الموجبة لتصدر المجموعة والانتقال للدور ثمن النهائي الذي ستبرز فيه حقائق فنية وتنافسية من عيارات مختلقة، إلا أنني عند مقارنة الأداء الجماعي الذي يكون في العادة الفيصل في حسم النزالات التكتيكية، لا أستطيع مثلاً أن أنفي عن منتخبات مثل هولندا والمكسيك وفرنسا وحتى كوستاريكا روعة النسق التكتيكي وجمالية الأداء الجماعي الذي يصل حد الإبهار، ولا أستطيع أن أنكر أن هذه المنتخبات في هذا الإطار بالذات تفوقت على البرازيل والأرجنتين برغم أنها لا تملك لا نصف نيمار ولا ربع ميسي ولكنها تملك روح سيزيف.

drissi44@yahoo.fr

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا