• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

الولايات المتحدة تجد نفسها اليوم في مواجهة «داعش» في العراق، إلى جانب ميليشيات شيعية مدعومة من إيران، وبدلاً من إسقاط بشار الأسد، تقوم واشنطن بقصف أعدائه!

حروب الوكالة.. دروس من باكستان

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 10 يونيو 2015

مع بداية الحرب العالمية الثانية، وبعيداً عن ساحات المعارك في أوروبا، استعان المسؤولون الكولونياليون البريطانيون بالجهاد، حيث قاموا بتوزيع الأموال سراً على طول الحدود الأفغانية المضطربة، وشجعوا الملالي في تلك المناطق القبلية على تأجيج المشاعر ضد أعداء بريطانيا: السوفييت الملاحدة أولاً، ثم حلفاؤهم النازيون وقتئذ، فاليابانيون المتوحشون، وأخيراً الزعماء الهنود مثل المهاتما غاندي وجواهر لال نهرو، اللذين كانا يرفضان دعم الجهد الحربي، وكانت هذه الاستراتيجية منخفضة الكلفة وفعالة على نحو مفاجئ.

ولكن اليوم، تدفع باكستان ثمناً باهظاً بسبب انتهاجها لما بدا في يوم من الأيام استراتيجية ذكية واقتصادية، ذلك أن دعم المقاتلين الإسلاميين لسنوات عديدة باعتبارهم وسيلة توظفها الدولة أدى إلى ولادة وحش له عدة رؤوس، فقد استفادت بعض المجموعات من المحاباة الرسمية لاستنزاف القوات الهندية في كشمير، بينما انقلبت أخرى على أسيادها، حيث قاتلت الحكومةَ الباكستانية وقتلت ما يقدر بـ 50 ألف جندي ومدني خلال العقد الماضي. كما هاجم المتمردون مقار الجيش وقاعدة جوية يُعتقد أنها تحتضن أسلحة نووية، من بين أهداف أخرى كبيرة. واليوم، يعترف جنرالات كبار من مهندسي استراتيجية حروب الوكالة بأن المقاتلين باتوا يطرحون خطراً كبيراً لاستقرار باكستان وأمنها، خطراً أكبر حتى من الهند، العدو اللدود. ولذلك، ينبغي أن تشكل باكستان درسا مفيدا بالنسبة لبعض البلدان في منطقة الشرق الأوسط التي تعمل على تسليح قوات محلية تنوب عنها في حروب الوكالة السنية- الشيعية من سوريا إلى العراق إلى اليمن، فهذه الجيوش البديلة قد تبدو طريقة فعالة لإضعاف المنافسين من دون التقيد بمسار حرب رسمي، غير أن إنشاءها أسهل بكثير من كبحها.

لقد بدأت باكستان تتعلم هذا الدرس بعد شهرين تقريبا على تأسيسها كدولة مستقلة في أغسطس 1947. ففي ذاك الخريف، وضعت مجموعة من المسؤولين الباكستانيين خطة تقضي بتجنيد رجال من قبائل البشتون من المنطقة الحدودية لغزو كشمير، وهي مملكة مستقلة كان ملكها يهدد بالانضمام إلى الهند المنافسة – وأخذ رعاياه معه، ومعظمهم من المسلمين. انتهت حرب كشمير الأولى بتقسيم الدولة وسيطرة الهند على وادي كشمير ذي الأهمية الاستراتيجية، غير أنه خلال العقود التي أعقبت ذلك، عادت باكستان إلى تكتيكاتها من جديد، وأدى نشر جهاديين مناوئين للهند إلى حربين كبيرتين أخريين في كشمير – في 1965 و1999 – كادت آخرهما أن تتحول إلى حرب نووية. وفي التسعينيات، ألقت باكستان بدعمها وراء سيطرة «طالبان» على أفغانستان أيضاً على أمل التصدي للنفوذ الهندي في كابول.

واليوم، وبينما تقاتل القوات «طالبان» باكستان في براري شمال وزيرستان، يرفض قادة الجيش على نحو يمكن تفهمه مضاعفة التحديات التي تواجههم عبر محاربة «طالبان أفغانستان» والمقاتلين المتركزين في كشمير، مثل «عسكر طيبة»، غير أن تجاهل هذه المجموعات ينطوي على أخطار خاصة به.والواقع أن القوى الشرق أوسطية بدأت اليوم تتلقى بعض الضربات والانتكاسات نفسها بسبب خططها، وبات من الواضح الآن أن الأموال التي كانت ترسلها بعض بلدان المنطقة إلى سوريا ساعدت عن غير قصد في دعم صعود تنظيم «داعش»، وهو الأمر الذي أدى إلى سيناريو غريب في الواقع، حيث تجد الولايات المتحدة نفسها اليوم تقاتل «داعش» في العراق إلى جانب ميليشيات شيعية مدعومة من إيران، وبدلاً من إسقاط الدكتاتور بشار الأسد، تقوم واشنطن بقصف أعدائه.

غير أن على إيران أيضاً ألا تشعر بالارتياح إزاء ما يبدو نجاحات حقّقتها، فوكيلها «حزب الله» قد تكون لديه اليد الطولى في سوريا، ونفوذها على حكومة بغداد قد لا يضاهى، غير أن مكاسب طهران وحّدت الزعماءَ السنة العرب الذي اتفقوا على تأسيس قوة عسكرية إقليمية، كما أن أي اتفاق نووي يحافظ على برنامج التخصيب الإيراني يمكن أن يؤدي إلى سباق تسلح خطير في المنطقة ويدفع السعودية إلى تطوير قنبلة خاصة بها، بمساعدة من باكستان ربما.

وفي الأثناء، يكثّف الزعماء الإيرانيون دعمهم للمتمردين «الحوثيين» في اليمن على ما يبدو. غير أنه إذا كانت لدى في التجربة الباكستانية أي دروس مفيدة، فهي أن آخر ما يمكن أن يتوقعه الإيرانيون هو الفوز.

نيسيد هاجاري*

*كاتب ومحلل سياسي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا