• الثلاثاء 02 ربيع الأول 1439هـ - 21 نوفمبر 2017م

التوبة عند الغرغرة أعني بها هنا صرخات وزير الخارجية الأميركي المحتضر سياسياً جون كيري ضد إسرائيل وضد الاستيطان ومع حل الدولتين، فهل هي صحوة ضمير مفاجئة من إدارة أوباما التي ظلت ثماني سنوات تطوف حول القضايا العربية ولا تحلها؟

الثرثرة والتوبة عند الغرغرة!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 04 يناير 2017

محمد أبوكريشة*

العربي لا يقبل حلاً عربياً، ولا وساطة عربية، ولا نصيحة عربية، ولا اقتراحاً عربياً. والعربي لا يقبل تدخل العربي في شؤونه، لكنه يقبل تدخل الأجنبي. ورفض أي دولة عربية التدخل في شؤونها الداخلية موجه إلى الدول العربية الأخرى فقط. وحساسية العربي تجاه العربي مرضية وفاجعة. وكل المآسي التي صنعها العرب بأنفسهم لأنفسهم لا تجد حلاً أبداً إلا إذا تدخل الأجنبي والإقليمي. ونحن ننتج مآسينا ومشاكلنا، لكننا لا ننتج حلولاً، فالمآسي والمشاكل صناعة عربية، لكن الحلول دائماً مستوردة. وعندما يكون العربي طرفاً في التسويات أو الحلول والمفاوضات تكون النتيجة صفراً. وعندما يكون العرب على مائدة الحل والتفاوض نجد الممانعات والمناكفات والخلافات ونصل إلى الطريق المسدود، وعندما يتسلم الأجنبي الملفات نجد المرونة من كل الأطراف ونجد التنازلات والإقبال على التسوية.

العراق رفض أي دور عربي في تسوياته وحربه ضد «داعش» وفي ترتيب بيته من الداخل.. بل حتى في عمليات الإعمار، بينما أقبل بنفس راضية على التدخل الأجنبي، والتسويات الإقليمية، والمشاركة العسكرية القوية من غير العرب في الحرب على «داعش». والعربي يتلقى الأوامر بمنتهى الطاعة من الأجنبي والإقليمي، لكنه يرفض النصائح العربية، يأمرني الأجنبي فأطيع، وينصحني العربي فأرفض.

أزمة سوريا بدأت تنفرج ويلوح ضوء في آخر نفقها عندما خرج منها العرب، وتسلم ملفها الروس والإيرانيون والأتراك. ورأينا الأطراف المتناقضة تتقارب وتتبادل الغزل، وتبدي المرونة بعد ستة أعوام من الدم والدمار.. وتذكر الجميع من النظام والمعارضة فجأة أنهم مستعدون للذهاب إلى آخر العالم من أجل حقن دماء السوريين. ويبدو أنهم لم يدركوا حجم الدمار والخراب الذي حل بسوريا إلا عندما خرج العرب من اللعبة، وصارت في أيدي روسيا وتركيا وإيران فقط.

العرب ليست لديهم أي أوراق لعب في قضاياهم وأزماتهم، وليست لديهم أي عناصر ضغط على أي طرف. والمسألة في سوريا ليست صحوة ضمير مفاجئة لدى النظام والمعارضة، ولكنها مسألة أوراق الضغط التي يمتلكها الروس والإيرانيون والأتراك. فالروس والإيرانيون يمتلكون رقاب النظام وميليشياته امتلاكاً تاماً، ويستطيعون إملاء شروطهم على هذا النظام وميليشياته، والأتراك يمتلكون رقاب المعارضة السورية، ويستطيعون توجيهها إلى أي اتجاه يريدون. وبالتالي، فإن النظام والمعارضة ليس لهما من الأمر شيء سوى السمع والطاعة، كما أن العرب ليس لهم من الأمر شيء.

وفي ليبيا تزداد الأمور تعقيداً، لأن هناك تنافساً عربياً واضحاً على النفوذ والحل في هذا البلد المأزوم. فالعرب يتنافسون ويتصارعون، ولا يتكاملون أو ينسقون الأدوار في أي أزمة، كل منهم يريد أن تكون له اليد العليا ولو على جثث الدول المأزومة والمهزومة والمتآكلة، وكل حل في ليبيا أو غيرها تقترحه أو تتبناه دولة عربية تحبطه وتتصدى له دولة عربية أخرى. وهناك توظيف سيئ وخطير للميليشيات في الصراع العربي العربي. وهناك نظرات عربية ضيقة إلى الأمور تقود إلى توظيف الإرهاب في التطاحن العربي العربي. وهذا أدى إلى سيادة الإرهاب، وأن تكون له الكلمة العليا في كثير من الدول العربية. ومع الوقت ينقلب سحر الإرهاب على الساحر. وربما لا يتم توظيف الإرهاب والميليشيات بشكل مباشر، وقد يوظف الإرهاب نفسه طوعاً لخدمة أجندة الصراع العربي- العربي. ليصل في نهاية المطاف إلى إضعاف الكل وتفكيك الدول الوطنية. وهكذا يلدغ العرب من الجحر الواحد ألف مرة ولا يتوبون إلا عند الغرغرة، أي عند انتصار الإرهاب وانكسار الدول الوطنية. «ولات ساعة مندم». ويذكرني هذا بقول الله تعالى: (... حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ...)، «سورة النساء: الآية 18».. وصحوة الضمير العربية تأتي دائماً بعد فوات الأوان.

وأما القضية الفلسطينية، فهي أم المآسي العربية، وعنوان الوهن العربي، وصارت ميدان الصراع العربي- العربي، وليست ميدان الصراع العربي- الإسرائيلي، فهناك دولتان فلسطينيتان بينهما ما صنع الحداد، وبينهما تناقص وعداء أضعاف أضعاف العداء الفلسطيني لإسرائيل. والعرب يتفرجون على هذا الصراع الفلسطيني- الفلسطيني، بل ربما هناك منهم من ينفخ في ناره لتزداد اشتعالاً لخدمة الصراع العربي العربي. والمضحك المبكي أننا ننادي بحل الدولتين. إسرائيل والدولة الفلسطينية، بينما لم يستطع العرب حل مشكلة الدولتين الفلسطينيتين في غزة ورام الله.

ومرة أخرى أتذكر التوبة عند الغرغرة «... حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ...)، وأعني هنا صرخات وزير الخارجية الأميركي المحتضر سياسياً جون كيري ضد إسرائيل وضد الاستيطان ومع حل الدولتين، وامتناع أميركا عن التصويت على قرار مجلس الأمن الدولي ضد الاستيطان الإسرائيلي، وفرحة العالم العارمة بهذا القرار وبتصريحات كيري النارية ضد إسرائيل.

هل هي صحوة ضمير مفاجئة من إدارة أوباما التي ظلت ثماني سنوات تطوف حول القضايا العربية والمآسي العربية وتديرها ولا تلمسها ولا تحلها؟.. هل هي التوبة الأميركية عند الغرغرة وعند النهاية وبعد فوات الأوان؟ هل هو التطهر الأميركي المفاجئ من دنس الانحياز السافر لإسرائيل؟ بالتأكيد لا شيء من هذا. ولكنها رسائل من إدارة أوباما لإحراج إدارة ترامب، كما أنها رسائل إلى العرب لحثهم على التصدي لإدارة ترامب إنها محاولة نهائية لوضع الحواجز والعراقيل في طريق إدارة ترامب. وهي حواجز من ورق وقش. والسؤال الأهم هنا، ما الذي حمل كيري على الخروج بتصريحاته الأخيرة رغم أنها كانت مجرد شعارات لم تتضمن أي اقتراحات أو مبادرات أو حلولاً؟ المشكلة أن العرب يتلقفون دائماً أي تصريحات شعارية عنترية مثل تصريحاتهم وبياناتهم. رغم أن هذه التصريحات لا تتضمن أي مواقف.. لكنها السمة العربية، سمة الثرثرة والتوبة عند الغرغرة!

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا