• الأحد 09 ذي القعدة 1439هـ - 22 يوليو 2018م

الفلاسفة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 12 يوليو 2018

محمد بنميلود

جمعَ القرويونَ الفلاسفةَ في أكياس الشعير المسوَّس الفارغة. كانت أكياس شعيرِ علفٍ. الفلاسفة أناس ذميمون ولسانهم طويل، لقد أفسدوا الحياة الهانئة بأسئلتهم الكثيرة اللّجوجة، وبأجوبتهم الغامضة التي لن نربح منها سوى أسئلة أخرى محيّرة للغاية، كألغاز بلا حلّ لا تصلح حتى للتسلية.

قبل قدوم الفلاسفة إلى هذه القرية، واحد تلو الآخر، كانت الأمطار تهطل في موعدها، والمحصول كان يأتي وفيرًا، بل كل سنة كان يأتي أوفر من كل السنوات التي سبقتها. كانت الخيول تصهل وتحمحم كل مساء في الحصيدة اللامتناهية، والدجاجة تبيض بيضتين كل يوم، واحدة صباحًا والأخرى مساءً، والبطاطا كانت حقًا بحجم بطيخة صغيرة.

ماذا جنت القرية من الفلسفة الآن؟ سوى موسم الجفاف الطويل هذا؟

لم تمطر السماء فوق الحقول مذ وضع أول فيلسوف أقدامه غير المباركة على هذه الأرض. المحاصيل أكلها السّوس كلها، والتّبن أحرقته نيران القيظ التي شبّت أيضًا في كل أكواخ الفلاحين وزرائبهم وإسطبلاتهم. الدجاجة صارت تبيض فقط بيضة واحدة فاسدة في الشهر عند اكتمال القمر، والبطاطا صارت بحجم حبة النَّبَقْ! حتى الأحصنة صارت كلها حزينة لا تصهل، بل تبدو ساهمة كأنها مستغرقة في التفكير لحل الألغاز حتى صارت هزيلة، منهكة لا تقوى على الركض ولا على جر العربات. ماذا جنت القرية الآن من الفلاسفة ومن فلسفتهم المبهمة غير القحط واللعنة؟

قال زعيم القرية: اقذفوا الأكياس واحدًا بعد واحد داخل الشاحنة، وعقد يديه خلف ظهره، وقد ارتسمت على وجهه المتغضن كجذع شجرةٍ هرمة ملامح الوقار والجد والجَلَد في الأزمات. تطوع الرجال كلهم كي يصنعوا صفًّا من الحمّالين الأقوياء، الأولُ يحمل الكيس من الأرض إلى ظهره ويناوله لصاحبه الذي على شماله، وصاحبهُ يناوله لصاحبه الآخر الذي على شماله، في سلسلة طويلة من الرجال، وهكذا حتى يصل الفيلسوف داخل الكيس إلى الشاحنة.

بدا لهم بعد ساعة من نقل الشحنة من على الأرض، إلى الشاحنة، أن عدد الأكياس يزداد لوحده حين يستديرون! بل صار بسرعةِ البرقِ لا نهائيًا كأسئلة الفلاسفة ذاتها، وأنهم سيستغرقون أعمارهم بطولها في نقل الأكياس إلى الشاحنة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا