• الأربعاء 05 ذي القعدة 1439هـ - 18 يوليو 2018م

طفولة اللغة التي افتتحَ بها آدمُ لسانه

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 12 يوليو 2018

إعداد وتقديم: عماد فؤاد

..وماذا عن اللغة التي صنعنا منها كلّ هذه الأخيلة والأفكار والأحلام والرؤى والهواجس، ثم حفظناها بين دفتي الكتب؟ وماذا عن هذه الأبجدية التي نلوي عنقها كلّ يوم كي نعبّر عمّا بداخلنا؟ أتصوّر اللغة دومًا امرأة عجوز تحيا في أقدم مكان من كياننا، نلجأ إليها صارخين متألمّين دون أن ننطق، فتنظر إلينا بعين العارف لتعيد صرخاتنا من جديد إلى أفواهنا ولكن في صورة كلمات، أصوات متتالية لحروف مختلفة تخرج من الحلوق البكماء لتحرّك خيوط الحناجر، تلك التي حين تنطق بما نريد نتنهّد مثل ظامئين بلّوا ريقهم ولو بمرأى سراب فارتووا.

اللغة هي البداية، بعض دراسات اللسانيات الحديثة تشير إلى أن اكتشاف الإنسان للّغة كان العتبة الأولى لنشوء الحضارات، وكيف لنا أن نتخيّل غير ذلك، إذ كانت اللغة هي وسيلة الإنسان البدائي الأولى للتخلّص من بدائيته، ودخوله مرحلة التعبير عمّا يحسه من مشاعر وما يعتقده من أفكار وتخوّفات، ومن ثمّ تدوينها على الصخور وجدران الكهوف لتبقى أثرًا لنا عن أسلافنا الأوائل، وما تركه الإنسان البدائي في باطن الكهوف لم يكن لغة بالمعنى المتعارف عليه اليوم، بل كان صورة ما عن الواقع الذي يعيشه، رسم حربته المدبّبة على الصخور وفي مواجهتها الحيوان المفترس الذي يحلم باصطياده، رسم كهفه في سفح الجبل والشجرة جوار النهر وحفر الشمس والقمر ونجوم الليل، ثم بدأ يستغني عن صرخاته الحادّة في الغابة ليحلّ محلّها أصوات متناغمة، وصلتنا اليوم في صور لغات لا حصر لها ولا عدد، منها ما مات واندثر، ومنها ما يحيا على الألسن حتى اليوم.

لا أعرف لماذا سيطرت على ذهني فكرة اللغة وأنا أقدّم هذه النصوص الأربعة في حلقتنا اليوم، ثمّة روح ما تغلّف نص القاص المغربي محمد بنميلود عن الفلاسفة، أحالتني إلى الجدل اللغويّ والفلسفيّ المبنيّ على مقابلة الحجّة بالحجّة أو المعارضة والرفض، ثمة صراع غير واضح المعالم بين أهل القرية والفلاسفة الذين أفسدوها وأصابوها بالبوار والفقر: «قبل قدوم الفلاسفة إلى هذه القرية... كانت الأمطار تهطل في موعدها، والمحصول كان يأتي وفيرًا... كانت الخيول تصهل وتحمحم كل مساء في الحصيدة اللامتناهية، والدجاجة تبيض بيضتين كلّ يوم، واحدة صباحًا والأخرى مساءً، والبطاطا كانت حقًا بحجم بطيخة صغيرة».

ويبدأ الشاعر الفلسطيني نصر جميل شعث قصيدته بمقطع يقول: «في حياتي/‏‏ سمعتُ الكثيرَ من الكلام الكبير الذي أدهشني/‏‏ وأبكاني ودلّني على الأرض/‏‏ ولكنني ما زلتُ أحنّ/‏‏ إلى طفولة اللغة التي افتتحَ بها آدمُ لسانه/‏‏ وطمْأنَ بها نفسَه/‏‏ كغريب». أما القاص المصري أحمد أبو خنيجر، فيدخلنا إلى ما يشبه الحلم في نصه القصير الموحي «دروب قديمة»: «بعد خطوات يضيق الدرب وينعرج؛ كانت لأقدامنا أصوات وهي تدبّ بقوّة فوق هذا الأديم، أظنّها دبّة الحياة التي كنّا نسعى لامتلاكها في ذلك الزمن البعيد، أتبسّم الآن من هذا التصوّر الساذج الذي أجج البجاحة والتهوّر داخل صدورنا فخرجنا نواجه الدنيا بأحلامنا العارية».

وفيما تبدأ الشاعرة العمانية فتحية الصقري قصيدتها قائلة: «لكي أُمرِّرَ شريطًا إخباريًا موجزًا عنِّي/‏‏ خلالَ الأسابيعِ الماضية/‏‏ يلزمُني فتحُ الهاتفِ لتفقُّدِ غُرفِ أصدقائي»، في إشارة واضحة إلى الهوس بمواقع السوشيال ميديا وأدواتها التي صارت الوسيلة الأسرع اليوم في التواصل بين البشر، إلا أن الشاعرة تنهي قصيدتها بجملة أعلى: «كنتُ في كلِّ الأحوالِ شاهدًا صامتًا، يسجِّلُ ما يرى في دفترِ روحِه/‏‏ لم أَمَّدَ يديّ /‏‏ لم أفتح فمي».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا