• الأربعاء 05 ذي القعدة 1439هـ - 18 يوليو 2018م

الفرنسي باتريك دارفور يحكي هيجانات العباقرة في كتابه الجديد

ثناء على الكُتّاب المنحوسين

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 12 يوليو 2018

هاشم صالح

عندما نتحدث عن الأدباء الكبار نحن نعتقد عموماً أنهم كانوا سعداء يعيشون حياة رغيدة ويستمتعون بأضواء الشهرة والمجد. وربما اعتقدنا أنهم ما أصبحوا كباراً إلا لتفوقهم في نظم الشعر والقوافي أو سرد الروايات الرائعة، ولكننا ننسى شيئا آخر هو الأكثر حسماً وأهمية: إصابتهم بمرض شخصي أو بفاجعة حقيقية هي التي دفعتهم دفعاً لأن يصبحوا عباقرة. ولذا فلا يمكن التحدث عن هؤلاء العباقرة دون ذكر الجراحات الشخصية. فالواقع أن هذه هي التي تجعل منهم كتاباً كباراً. قد تختلف هذه الجراحات والفواجع من كاتب إلى آخر ولكن هناك جرحا ما، جرح حقيقي غائر في الأعماق والأقاصي، جرح ينزف باستمرار.. هذا ما نفهمه من ذلك الكتاب الذي أصدره مؤخراً النجم التلفزيوني الفرنسي اللامع باتريك بوافر دارفور.

كرس دارفور لهؤلاء العباقرة المفجوعين بألف شكل وشكل كتاباً ممتعاً بعنوان: ثناء على الكتاب المنحوسين. وقد استعرض منهم على مدار الصفحات قصة ما لا يقل عن ثمانين كاتباً عركتهم الحياة، أو نبذهم المجتمع، أو لم يحالفهم الحظ في الوجود. نذكر من بينهم، على سبيل المثال: شارل بودلير، أنطونين آرتو، صموئيل بيكيت، دوستويفسكي، غارسيا لوركا، كافكا، لوتريامون، غي دو موباسان، جيرار دو نيرفال، نيتشه، نوفاليس، ادغار آلان بو، فيرلين، فيرجينيا وولف، وستيفان زفايغ، الخ.. بالطبع لن نستطيع التحدث عنهم جميعاً في هذه العجالة، وأنما سنكتفي بالتوقف عند بعضهم.

آرتو

البداية كانت سعيدة بالنسبة لهذا الكاتب الذي سيلخص في شخصه لاحقاً كل آلام العصر وفواجعه. فقد ولد في أحضان عائلة غنية أحبته وراعته وأحاطته بكل أنواع العناية والاهتمام. ولكنه منذ سن الرابعة أصيب بمرض عصبي عجيب ونادر وابتدأ الكابوس. ولم تنجح كل أنواع العلاج في إنقاذه. فراح يصارع الأشباح النفسية التي تريد القضاء عليه أو هكذا يتوهم. ولكن على الرغم من كل ذلك فقد نبغ في الشعر والمسرح. كل شيء يحصل كما لو أن الطبيعة تحرمك من شيء لكي تعطيك شيئا آخر. يقول المؤلف: كل حياته كانت سلسلة من الفواجع والأمراض والصدمات النفسية. لقد سجنوه في المصحات العقلية طيلة قسم كبير من حياته ومع ذلك استطاع أن يبدع في الشعر والمسرح. وكان يشعر أن هذا الإبداع هو الحل الوحيد والخلاص الذي ينقذه من أزماته النفسية المتفاقمة. قد ترعبنا آلامه المبرحة ولكننا نحب إبداعه، جنونه الخلاق.. لقد دخل في الأدب كما يدخل آخرون في سلك الكهنوت والدين المسيحي. وقد اعترف في إحدى اللحظات بهذا الكلام الهام: أعاني من مرض روحي ونفساني رهيب. أنا تحت نفسي، هذا ما أعرفه، ولكني أقبل بكل هذا العذاب لكي لا أموت كليا.

ولكن أنطونين آرتو لم يمت من جنونه كما تصور. ولم ينتحر إطلاقاً. وإنما مات من السرطان. لكأنه لا تكفيه كل هذه العذابات والفواجع حتى ينضاف إليها مرض السرطان! شيء عجيب فعلا لا حظ له في الحياة. إنها حياة مشكلة من سلسلة متلاحقة من الكوارث ولكن مضاءة من وقت لآخر من قبل بعض أعظم نصوص القرن. حقا لقد دفع أنطونين آرتو ثمن إبداعه غالياً. ومن بينها كتابه الرائع عن قرينه في الإبداع والعذاب الرسام الهولندي الشهير فان غوخ. فقد كرس له كتاباً من أروع ما يكون بعنوان: فان غوخ المنتحر من قبل المجتمع. وليس المنتحر من تلقاء ذاته. المجتمع هو الذي نحره أو قتله مثلما قتل آرتو ذاته. المجتمع قد يجننك أيضاً إذا ما اعتبرك شاذاً خارجاً عن مسلك القطيع. يقول فيه هذه العبارة: لم يكتب أحد ولم يبدع رسماً أو نحتاً أو فناً إلا لكي يخرج من الجحيم.

دوستويفسكي ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا