• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

بين البحر والسماء

«البيئة البحرية»..ترمي مرساتها في قصــر الحصن

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 05 فبراير 2016

هناء الحمادي (أبوظبي) حكاية الرزق، حكاية التعب والشقاء والمعاناة، رحلة المغامرة وربما اللاعودة، هي رحلة السفر بين أزرقين هما البحر والسماء ولا شيء بينهما سوى هموم تلك الوجوه الملوحة بشمس التعب والانتظار والتطلع دوماً صوب الشواطئ البعيدة، حيث الأهل والأحبة.. هو البحر الحاني والغادر في الوقت نفسه. لم تكن رحلة الغوص في الماضي بتلك الرحلة العادية، بل كانت تتم في ظل ظروف صعبة وبوسائل بدائية ولم يكن الأهالي يزجون أبناءهم ومعيليهم إلى متاهات البحور عبثاً، ولكن لظروف الطبيعة القاسية عاش أهل الإمارات، كما عاش أهل الخليج على مهنة الغوص، مهنة الرجال الأشداء، حيث كانت هذه التجارة تمثل جانباً من جوانب الأنشطة الاقتصادية آنذاك، فلم تكن أهوال البحر ومخاطره تمنعهم من البحث عن مصدر رزق، فكانت «الدانة» هي المبتغى «واللّي ما يغالي في الغوالي خسران في نفسه ومغبون». روح الماضي «صور تراثية قديمة نسجت بروح الماضي، لسفن صيد ترسو على البحر تنتظر الصيادين لتبحر بهم مسافات طويلة على أهازيج البحارة، حيث كانت تتردد الكلمات والترانيم التي تحمل النواخذة والغواصين إلى الهيرات لبداية رحلة غوص تستمر شهوراً عدة»، هذا ما يمكن أن نصف به منطقة البحر في مهرجان قصر الحصن في دورته الرابعة في أبوظبي، حيث تعكس تلك المنطقة في هذا المهرجان السنوي ملامح الحياة القديمة من أسلوب حياة وتقاليد المجتمع المحلي على امتداد الشواطئ الإماراتية، آنذاك، وعبر مشاهد حية يستطيع زوار مهرجان قصر الحصن، أن يسترجعوا ذكريات الآباء والأجداد وعالم الغوص، كما يمكن اللقاء مع بناة القوارب والبحارة وصيادي اللؤلؤ ومعرفة أهم المهن والحرفة التي كان يمارسها البحارة. صناعة السفن يعمل بصمت، يدقق في كل زاوية من زوايا السفينة.. تارة يمسك المطرقة وتارة ينجر الخشب، بهمة ونشاط يعمل بدر عبد الحكيم «جلاف»، في صناعة إحدى سفن الصيد التي كانت تبحر أيام زمان في عرض البحر بمواويل جميلة تشدو لها الآذان. يقول بدر عبد الحكيم الذي يعتز بأن لديه خبرة كبيرة في صناعة «السفن»: «إن هذه الحرفة تذكره بماضي أسلافه في ساحل الخليج العربي»،موضحاً أن «السنبوك» سفينة متوسطة الحجم وتُستخدم في صيد السمك، وأن رحلة الصيد كانت تستغرق بين يومين وثلاثة أيام في الزمن القديم، لافتاً إلى أن صناعة «السنبوك» تتطلب دقة عالية وتركيزاً كبيراً وذكاءً، وتستغرق وقتاً طويلاً قد يصل إلى عدة أشهر، ولا يجيدها سوى من تعلق بالبحر والصيد وبعض من ورثوا هذه المهنة عن آبائهم وأجدادهم. وأضاف: إن الأخشاب التي تستخدم في صناعة «السنبوك» كانت تستورد عبر البحارة المسافرين إلى الهند، حيث يصنع «السنبوك» من خشب «الساج» وخشب «الجنقلي» لقاعدة السفينة، وأنواع أخرى من الخشب لبقية أجزاء السفينة، وتكون مقدمة السفينة على شكل زاوية حادة ومؤخرتها شبه مربعة، وتتم زخرفتها لتظهر بصورة جميلة، ومن ضمن الأدوات التي تُستخدم لصناعة السفن: المجداع، والرندة، والقدوم، والمبرد، والنقار، وكذلك القطن والمسامير والشونة. وعن مراحل بناء السفينة، يقول: «نأتي أولاً بقاعدة السفينة التي نضعها فوق قطعة خشبية قريبة من البحر، ونضع فوقها ميزان الماء للتأكد من استقامتها على سطح الأرض، ونحتاج إلى حسابات خاصة من أجل توازن العمود الأمامي والخلفي للقاعدة، وتتم بعدها عملية ربط ألواح هيكل السفينة بالأعمدة والقاعدة، ونبدأ بتركيب ألواح «المالج» بعضها فوق بعض، ونضع بعد ذلك الأضلاع في الثلث الأمامي للقاعدة ونربطها بالألواح، ونفعل كذلك مع الثلث الخلفي للسفينة حتى يكتمل ربطها بالأضلاع لحين الانتهاء من بناء هيكل السفينة من الخارج، عند ذلك يتم تركيب بقية أجزاء السفينة قبل أن تكون جاهزة لإنزالها في البحر. صناعة الأشرعة تظل الأشرعة هي الجسد الأسطوري في السفينة، ورمز التحدي والشموخ وبشارة الرحيل والعودة، فعند عودة الغواصين من رحلة الصيد كنا نرى الشراع مقبلاً، فنفرح ونستبشر، ولكن حين كنا نراه مدبراً تخنقنا العبرة. حول صناعة الأشرعة يوضح سعيد سليمان «من سفراء قصر الحصن» أن المواد المستخدمة في صناعة الأشرعة هي القماش، والحبال وهي من نوع النايلون أو «الباراشوت» والخيط لخياطة الشراع، والميبر «إبرة الخياطة» وتتم عملية التفصيل ببسط القماش بعد أن تتم خياطته، ثم يوضع الحبل «الظهر»، ويتم تفصيل الشراع، بعد ذلك تثنى قطعة القماش على الحبل، ثم عملية خياطة كاملة للشراع بالميبر، من أجل توثيق القماش، وبعد ذلك يتم وضع حبل تحت القماش يسمى «المح» في بطن الشراع، وهو عبارة عن حبل «باراشوت»، ثم تتم عملية الخياطة من جديد، وبعد أن يتم تحديد الشراع من الأعلى، ومن «اليوش» الأسفل، يضاف حبل آخر يسمى «الداسي» في أعلى الشراع من كل جانب ما عدا الشفرة التي بها حبل رفيع جداً يسمى «المح». يلتقط أطراف الحديث الوالد محمد عبد الله عبد الرحمن، الذي يمسك بجوانب إحد الأشرعة ويخيطها بكل دقة وصبر، ويقول: «الداسي» له وظيفة واحدة فقط، وهي تسهيل عملية تركيب الشراع على «الفرمن»، وهو القضيب الخشبي الذي يرفع به الشراع، ويضاف إلى كل شقة «در»، وهو حبل يصل طوله إلى ذراع، يوضع بين «الداسي» وبين الشراع، كما أن هناك حبلاً آخر يوضع عند نهاية «اليوش»، ويوضع حبل آخر عند «الدرمة» إلى آخر «الدوم»، وهو نهاية الشراع، وحبل آخر يربط في «الدستور»، وبهذه الطريقة تكون عملية التفصيل قد انتهت. ويضيف: يركب الشراع على القارب لتتم عملية تحديد «النص» أي نصف الشراع، ويتم وضع الشراع على «الفرمن»، ثم يركب «الدرور»، وهي الحبال التي تمسك الشراع. صناعة الشاشة لم تكتمل حكاية البحر إلى هنا، بل ما زال هناك الكثير من الصناعات التقليدية التي مارسها الأجداد أيام زمان، وقوارب «الشاشة» لها نصيب كبير في منطقة البحر، حيث بإمكان الزوار التعرف عن قرب على كيفية صناعة قارب الشاشة، كذلك يمكن اكتشاف تفاصيل تلك الحرفة التي مارسها أهل الخبرة، بصبر وإتقان. يعمل حسن علي محمد وسالم محمد سالم الفلاسي بصناعة قوارب الشاشة، ويقول الفلاسي «الشاشة مركب بدائي صغير، وما زال مستخدماً حتى الآن، يتسع لأربعة بحارة، ويمتاز بطرفين مدببين، ومصنوع من جريد سعف النخيل، وداخله محشو بأطراف السعف «الكرب»، لكي يطفو على سطح الماء، وهذا النوع من المراكب لا تدخل فيه المسامير أبداً، لأنه يخاط بالحبال المصنوعة جريد نخل «المزربان»، فهو أفضل أنواعه بل هو الوحيد المناسب لصناعة هذا القارب التقليدي، وهو أيضاً من أفضل الأنواع من حيث الثقب لإدخال الحبال، ويمكن للبحار أن يصنعه في فترة تتراوح من يوم إلى ثلاثة أيام، ويستخدم للصيد في المياه الضحلة، ويتميز بكلفته القليلة وسرعة بنائه، وهو القارب الوحيد الذي لا يغرق حتى في ظل أعتى الأمواج، إذ يظل طافياً على السطح ويمكنه أن يعمّر عشر سنوات». شباك الصيد مهنة شباك الصيد من المهن التي يندر ممارستها في عصرنا الحديث، فهي حرفية بمعناها التقليدي وإبداعية بفنها الجمالي، فزوار المهرجان يبدون انبهارهم عندما يزورون منطقة البحر ويسألون صانعيها عن كيفية صناعتها، حيث تداعب أصابعهم خيوطها في مشهد لا يخلو من الجمال والتصوير الخيالي، والذوق الابداعي، لا سيما إذا كانت تلك الأصابع لصناع مهرة عاشوا حياتهم مع البحر والخيوط، حتى أضحت ملامح البحر ترتسم على قسمات وجوههم ومصطلحاته على شفاههم. يقول محمد الطنيجي «من سفراء قصر الحصن»: «صناعة الشباك لها شروط ومواصفات كأن يكون الصانع صياداً ولديه خبرة كافية بأصناف الأسماك والمهارة في صنع فتحات الشباك التي تستلزم أن تكون ذات قياس واحد، كما لابد أن تكون لدى الصانع خبرة بكيفية وضع الرصاص أسفل الشباك، ويضيف: «كل صياد له اهتمامات بنوعية الشباك التي يفضلها فيصنع الأنواع الخمسة الأكثر استخداماً بجميع الألوان»، مشيراً إلى أن أكثر الصيادين يفضلون شباك «الليخ»، «والياروف»، و«السالية» التي تصيد سمك البياح والصافي. وأشار إلى أن كل شبكة تحتاج إلى فترة من الزمن لإنجازها، وذلك حسب نوعها وطولها، فمثلاً «الليخ» الذي يبلغ طوله 22 متراً لا تتجاوزفترة إنجازه 15 يوماً، وكذلك الأنواع الأخرى، حيث تتطلب المدة نفسها ، كما أن أسعارها عادة ما تكون قريبة من بعضها إذ تتراوح بين 200 و300 درهم، أما الفتحات التي يفضلها أكثر الصيادين عادة فهي بين 2 إلى 4 سنتيمترات. وعن أنواع الشباك يذكر أنها تنقسم إلى قسمين، الأول: «قاعية»، وهذه النوعية من الشباك ممنوعة محلياً نظراً لخطورتها على الثروة السمكية لا سيما تلك التي تتنوع الفتحات فيها بعكس الشباك المعروفة، أما النوع الثاني، فهي «الشباك السطحية»، وتضم ثلاثة أصناف للأسماك الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، وجميع هذه الأنواع يتم استخدامها بشكل يومي من قبل الصيادين المحليين. صناعة المالح يقول الوالد عبدالله عبد الرحمن الذي له باع طويل في صناعة المالح عن طرق التخزين المناسبة في هذه الصناعة «في الماضي البعيد كان الرجال يصنعون المالح ليخزن في أوان فخارية تسمى (خروس)، أو (بيب)، وهي الصفائح المعدنية التي تصنع للتخزين، والآن يباع المالح في الأواني البلاستيكية»، وأضاف: «تعتمد طريقة صنع المالح على تنظيف كل سمكة بإزالة الرأس ونزع الأحشاء، ثم شقها من النصف حتى تصبح قطعة واحدة مفرودة، وهنا يبدأ وضع كميات كبيرة من الملح (اليرش)، أي الخشن، وكلما أنهى تمليح قطعة وضعها في الوعاء. والبعض يقوم بإضفاء بعض النكهات، مثل البهارات، والفلفل، والزعتر، والبعض يضع أوراق الليمون والبرتقال أثناء التمليح؛ لكن اليوم هناك من يضع نصف وزن السمك من الملح في قاع الوعاء، ثم يملحون السمك ويصفونه فوق الملح، ويحفظ 6 شهور وحتى تسعة أو عشرة شهور، حيث يعتمد الوقت على الموسم، صيفاً كان أو شتاءً، وعلى المكان الذي توضع فيه. أجود الأنواع ويلفت عبد الرحمن عبدالله إلى أن سمك «الكنعد» من أجود سمك المالح، وهو إضافة للحمه الشهي يقاوم حرارة الشمس، ولا يهتري بسهولة ويظل داخل العلبة أكثر من عشرة شهور من دون أن يفسد أو تقل قيمته الغذائية، ويبقى محافظاً على تماسكه وخصائصه، وهو الأغلى نظراً إلى جودته وقلة توفره بالأسواق. ويأتي سمك «القباب» في المرتبة الثانية من حيث السعر والإقبال عليه نظراً إلى قرب خصائصه من الكنعد، ويبلغ سعر الحبّة منه ما بين 6 إلى 7 دراهم وتتسع العلبة لعشر سمكات من الحجم المتوسط وهو يتمتع بجودة عالية ومذاق طيب. أما «الصدى»، فيحتل المرتبة الثالثة في قائمة المالح وهو لذيذ الطعم إلا أنه ضعيف المقاومة، ولا يتحمل البقاء أكثر من ثلاثة شهور داخل العلبة، وإذا استمر، فتظهر عليه علامات الاهتراء، والتفتت ويفقد نكهته.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا