• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

ثوابت الدين لا تقبل التشكيك

العلماء: التدين الشكلي نفــاق يقود إلى التطرف

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 05 فبراير 2016

حسام محمد (القاهرة) يظهر البعض أمام الناس بصورة المتدينين سواء باللحية الطويلة أو بالتردد على المساجد، ولكن أخلاقياتهم وممارساتهم العملية بعيدة تماماً عن الدين بل وتناقضه في كثير من الأحيان وقد تعدت الظاهرة حدود الأفراد ووصلت إلى الجماعات والتنظيمات، فنجد جماعات وطوائف تدعي أنها تدين بالإسلام وتلتزم به وتتحدث باسمه، تظهر الورع وتأتي بممارسات لا تمت للدين بصلة. المزايدة يقول الدكتور محمد الشحات الجندي - أستاذ الشريعة وعضو مجمع البحوث الإسلامية: الدين ثابت بمبادئه وتعاليمه وقيمه وأخلاقياته ولن ينال منه هؤلاء المتنطعون الذين اتخذوا من مظاهر التدين وسيلة لخداع الناس فالدين بثوابته ومبادئه السامية لا يقبل التشكيك أو التقليل أو المزايدة، فهو دين الله الذي ارتضاه لعباده إيماناً واحتساباً وطمعاً في رضوانه، ولكن التمسح بالدين والظهور بصورة المتدين أمر مرفوض لأنه يسيء للدين ونرى اليوم أشخاصاً يحرصون على الظهور أمام المجتمعات التي يعيشون فيها وقد ظهرت عليهم علامات التقوى والصلاح فتجدهم في المسجد قبل كل صلاة ويتحدثون بحلو الكلام، بل تجدهم في كثير من الأحيان يحتلون منابر الوعظ في تجمعاتهم، إلا أننا نكتشف بمرور الوقت أن بعضهم يتعامل بصورة تنافي مظهره، فأخلاقياتهم وتعاملاتهم تتنافى وقيم وتعاليم الدين الإسلامي، وبعض هؤلاء من أصحاب هذا التدين الشكلي إما يكونون من المتشددين في أمور صغيرة للغاية ويتركون القيم السامية ويتمسكون بتلك الصغائر أو يستخدمون مظهرهم في خداع الناس سعيا لكسب مادي أو معنوي. أزمة حقيقية ويضيف د. الجندي: لا بد أن يتذكر كل مسلم قول الله عز وجل: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)، «سورة العنكبوت: الآية 16»، فالإنسان عندما يظهر تدينه في صورة الالتزام بالصلاة لا بد أن يتبع ذلك تصرفات تؤكد تنفيذه لكل تعاليم الإسلام الذي أمره بالصلاة فلا بد أن يبتعد عن كل ما يندرج تحت معنى الفحشاء والمنكر بداية من خداع الناس أو تضليلهم عن طريق التمظهر بمظهر المتدين ومروراً بوجود تناقض بين أقواله وأفعاله، فليس أسوأ من تضليل الناس وخداعهم باسم الدين، ووصولاً إلى اعتناق البعض منهم للأفكار المتطرفة والمتشددة ظنا منهم أنهم بذلك يظهرون أمام الناس بصورة المتدين الحق وهم لا يدرون أنهم بذلك يقعون أسرى الجماعات المتطرفة التي قد تقودهم للبعد عن الدين، وكل هذا يؤكد أن التدين في مجتمعاتنا في أزمة حقيقية وأننا في حاجة لخطاب ديني وإعلامي يبصر الناس بأن التدين الحق يتمثل في الإيمان الصادق الذي يتجلى في الخوف والخشية من الله وفي الحب لله والتوكل والمراقبة مما يشمل الأعمال القلبية الباطنة وليس فقط الأعمال الظاهرة، وذلك مصداقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «التقوى ها هنا»، وأشار إلى صدره ثلاث مرات. ظاهرة مقيتة الدكتور سالم عبد الجليل - وكيل وزارة الأوقاف المصرية الأسبق - يقول: «المجتمعات الإسلامية ابتليت في الفترة الأخيرة بظاهرة التدين الشكلي، حيث يتوارى الشخص الذي يعتنق هذا الأسلوب خلف المظهر والشكل الذي يبدو أمام الناس به بصورة المتدين، وهو من المخادعين الذين وجدوا في هيئة الشخص ومظهره فرصة ثمينة لاستغلال الثقة وحسن الظن بهم خاصة وأن المجتمع الإسلامي تربى على حسن الظن بالناس ليقوم أصحاب التدين الشكلي بخداع المجتمعات التي يعيشون فيها، فبعض هؤلاء يظن انه بذلك يفعل الصواب فهو يقتنع اقتناعاً تاماً بأن التدين الحقيقي والصادق يرتبط بالمظهر الخارجي ولا يدري شيئاً عن أهمية التمسك بالقيم الدينية والأخلاقية أو المعاملات، وهكذا يستغل الدين في تحقيق مكاسبه الرخيصة أياًّ كانت دون أن يدري أنه يقدم أسوأ مثال للإسلام والمسلمين ويسيء للدين». وأضاف: مجتمعاتنا تساعد هؤلاء الغشاشين بشكل أو بآخر، فالمجتمع أصبح يعطي بعض السلوكيات الإيمانية دلالات أكبر مما تنتجه في الواقع فصاحب اللحية أو الجلباب القصير يحمل لقب متدين حتى دون أن نبحث عن حقيقة تدينه هذا، بل وصل الأمر إلى اعتبار كل من يبدو على ممارساته بعض التدين داعية وهو الأمر الذي من الممكن أن يستغله ضعاف النفوس، دون أن يمتلك المقومات الحقيقية لذلك. وقال: لا بد أن يهب الدعاة والعلماء ويعملوا على تثبيت دعائم التدين الحقيقي ونبذ التدين المغشوش فالمجتمع الذي يغلب عليه التدين الحقيقي بقيمه التي تحث على التحلي بالكرم والإحسان ومكارم الأخلاق ستنتشر فيه الأمانة وستحل عليه البركة ويندر فيه النفاق وسيزيد فيه الإبداع العلمي وينتشر في أنحائه العلم والتطور والرقي ويتحقق فيه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم الدين»، ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن المرأة كثيرة العبادة لكنها تؤذي جيرانها بلسانها أخبر أنها في النار، وهذا يؤكد ضرورة تطابق سلوكيات الإنسان مع دينه لأن الإسلام جاء لسعادة الناس وتحقيق السلام لهم بتلازم الإيمان والأمن. الحل في الوسطية ويشير الدكتور إسماعيل الدفتار- عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر- إلى نمط آخر من أنماط التدين المغشوش وهو التدين السياسي الذي تسبب في تطرف أصحابه واعتناقهم الأفكار الإرهابية، فهؤلاء يحرمون الكثير من الأمور سعياً لتحقيق مكاسب، فأخطر مظاهر التدين الشكلي، الذين يتخذون الدين وسيلة ومطية للوصول إلى السلطة من خلال استغلال العواطف الدينية وحب الناس بخاصة العامة وإيهامهم بأن هدفه من الوصول إلى السلطة. إنما فقط هو خدمة دين الله عز وجل والتمكين له، وهؤلاء يسيئون لدينهم ويشوهون الوجه النقي لحضارته الراقية وتعاليمه السمحة فهم يساهمون في تطرف البعض من شبابنا، حيث يتبنون أفكارا وتعريفات خاطئة لكثير من المفاهيم الإسلامية، وآراء بعيدة عن أصول الاستدلال في الفقه الإسلامي أو آراء شاذة انتزعت من سياقها وهو ما يؤدي بالتالي إلى الوقوع في الخطأ الاعتقادي أو العبادي أو السلوكي والأخلاقي ويعتقد هؤلاء أنهم يحسنون صُنعاً خاصة عند النّزوع إلى التشدد والغلو ولعل ما يفعله الدواعش وغيرهم من الجماعات الإرهابية نمط من هذا التدين المغشوش فهم يظهرون أمام الناس بمظهر المتدينين وقد تشددوا ظنا منهم أن هذا هو التدين الحقيقي، والحقيقة أنه لا يوجد تدين صحيح وحقيقي دون الالتزام بمنهج وسطي صحيح، وهو معرفة شرعية تطبيقية منضبطة تقوم على الأصلين الكبيرين العظيمين الكتاب والسنة، لا وفق الآراء أو الأعراف أو المواقف الشخصية أو النفسية.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا