• الخميس 04 ربيع الأول 1439هـ - 23 نوفمبر 2017م

السينمائي الإسباني نستور المندروس يحكي بالصورة

براءة الضوء

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 26 يناير 2017

حسام نور الدين

في ثقافتنا السينمائية الشائعة يخلط البعض أحياناً بين وظيفة مدير التصوير والمخرج، فنجد من يمتدح مدير التصوير لاختيار الزوايا، العدسات، أو حجم اللقطات، في حين أنها كلها من صميم اختصاصات أي مخرج يحترم مهنته. فمدير التصوير تتحدد قيمته، ومكانته الفنية تبعاً لإضاءة المشهد أو اللقطة، فمن هنا نستطيع الحكم عليه، وعلى حساسيته، وهذا أيضا ينقلنا لسؤال آخر: هل المشاهد الخارجية تعد مقياساً واضحا للحكم على موهبة المصور، أم المشاهد الداخلية؟ ودون تعقيد نرى أن هناك حالات معينة لمشاهد خارجية يبدعها المصور (خاصة قبل اختراع التكنولوجيا الرقمية) في استخلاص أجمل ما في الضوء الرباني، وفي استغلاله لحظة لونية معينة، بَيد أنه في هذه النوعية من المشاهد الخارجية سيتحكم في عمل المصور- شاء أم أبى- عوامل أخرى بالسلب أوالإيجاب مثل: المناخ وتقلباته، ودور معمل التحميض بعدها. أما المشاهد الداخلية التي يخلق ويصمم فيها المصور إضاءته في حرية ودون قيود نسبياً، فتعد أكبر معيار من معايير الحكم على جودة عمله، وحجم عطائه في الفيلم، فضلاً بالطبع عن مهاراته، وصفاته الأخرى مثل: تحكمه في حركة الكاميرا، جرأته، وذكائه في المشاهد الخارجية الصعبة،..الخ.

ما سبق يجرنا تلقائياً للحديث عن واحد من أوائل الأسماء التي يضعها المختصون، والنقاد في قائمة الأفذاذ في عالم الضوء، والتصوير السينمائي في القرن العشرين: نستور هيرمنيو المندروس (1930- 1992)، المولود في برشلونة بإسبانيا، لكنه رحل مع أسرته في عمر الثامنة عشر إلى كوبا هرباً من قمع الجنرال/‏‏‏‏ فرانكو، فأنشأ مع رفاقه جمعية لهواة السينما في هافانا، وكتب مقالات نقدية كثيرة، ثم قرر السفر إلى روما لدراسة السينما في المركز التجريبي، ليسافر بعدها الى نيويورك، فيحرص على مقابلة مجموعة من المخرجين، والمصورين التجربيين المعروفين مثل: مايا ديرن التي أثرت فيه كثيراً على المستوى المهني لاحقاً، ثم عاد إلى كوبا، وأخرج مجموعة من الأفلام التسجيلية، والقصيرة عام 1959 بعد نجاح الثورة، لكن تم منع بعض أفلامه، بعدما لم ترق لنظام/‏‏‏‏ كاسترو.

أفكار مبتكرة

حل مبدعنا الإسباني مجبراً من كوبا إلى باريس عام 1961، ليلتقي مصادفة بأهم المخرجين من أصحاب الموجة الفرنسية الجديدة - مثلما كان يتمنى- ليصور مجموعة من أجمل أفلامه التي عكست منهجه الواقعي الذي كان يعتمد أولاً على المصداقية، ومنطقية مصدر ونسبة الضوء الذي يبعثه في خلايا شريط الفيلم، وكثيراً ما أكد أن الضوء لابد أن يكون مبرراً، ومنطقيا فيكون بالتالي جميلا، وهو يخمن مصدر الشمس في المشاهد الداخلية، ويبني إضاءته دون وقت طويل على هذا الأساس، معتمداً على الضوء الطبيعي غالباً، لا يستخدم الخيال بقدر ما يعول على البحث عن مساقط الإضاءة الطبيعية، فيحاول الإمساك بها، أو يعززها إن لم تكن كافية، لكنه في العموم ينفر من لمبات ومعدات الإضاءة الكهربائية الكثيرة، والضخمة، وشنط المرشحات، والعدسات غير المألوفة، بل يجدها – إلا في بعض الحالات الضرورية - لا لزوم لها سوى إعطاء أهمية غير حقيقية، لمن يحملونها من المصورين غير الموهوبين، لزيادة أجورهم، وللإيهام بتعقيد، وصعوبة مهنتهم، في حين ينتهج هو البساطة كركيزة أولية، ويبدع بها حساً لونياً درامياً شهد له الجميع بها، فحطم النظرية العتيقة في الإضاءة مع آخرين قبله مثل: أستاذه/‏‏‏‏ ج. الدو، باستعمال أسلوب الإضاءة )غير المباشرة، Indirect lighting)

حيث كانت النظرية القديمة للإضاءة في السينما قبل الحرب العالمية الثانية تعتمد على نشر الظلال الكثيفة، والزخرفية في الخلفية، وصنع لمعة ضوئية تجميلية لوجوه الممثلين، وإضاءة أخرى فوق رؤوسهم، فيصبح الممثلون في فضاء الكادر في حالة إنارة منفصلة، كأنهم أجسام آلية تسير في فراغ الكادر، وهذا ما قد يلائم التصوير المسرحي، أو إضاءة ملهى ليلي، مثلما وصف/‏‏‏‏ المندروس بنفسه * أثناء سرده خلاصة تجربته للأجيال القادمة، بعد أن سجلها في حوارات كثيرة، وفي كتاب له ** ناصحاً إياهم أن يكون الإحساس هو مصدر الإلهام الأول لديهم، وليس ما حفظوه من قواعد أكاديمية جامدة، لأن المصور الفنان هو من يطوع القواعد التي درسها وفقا لحالة كل فيلم، وإلا سيكون مجرد مصور محترف يطيع طاعة عمياء تعليمات من سبقوه، ودلل على ذلك عندما استعمل اللون البرتقالي الدافئ في أول أفلامه الروائية في فرنسا عام 1967، وكان هذا من المحظورات المبهمة وقتها، فعندما رأى الفنيون بمعمل التحميض ذلك اللون، ظنوا أن المصور الجديد أخطأ، فعزموا دون تفكير على إزالة الصبغة اللونية الغريبة لديهم، فحاول/‏‏‏‏ المندروس أن يفهم هؤلاء فكرته، لكن دون جدوى، فاضطر بعدها أن يلجأ للأمر المباشر لينفذوا اللون كما أبدعه، ويصبح بعدها استعمال هذه الصبغة اللونية أمرا طبيعياً تعتاده العين... ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا