• الجمعة 07 ذي القعدة 1439هـ - 20 يوليو 2018م

في مشكلات الترجمة وصعوباتها

مترجم الفلسفة.. حفّار في رأس الفيلسوف

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 05 يوليو 2018

د. سعيد توفيق

لكي نحدد مكانة النص الفلسفي من مشكلات الترجمة والصعوبات التي تكتنفها، لا بد أن يكون لدينا معيار‏‭ ‬عام ‬يمكن ‬أن ‬نستند ‬إليه ‬فيما ‬يتعلق ‬بتلك ‬الصعوبات؛ ‬كي ‬لا ‬يكون ‬كلامنا ‬كلاماً ‬مرسلًا ‬أو ‬توجهه ‬الأهواء ‬كيفما ‬اتُّفق. وفي السطور التالية نحاول أن نعيِّن بعضاً من هذه الصعوبات التي تكتنف ترجمة النص الفلسفي، وسوف نستعين في ذلك بأمثلة تطبيقية مستمدة في معظمها من تجربتي الشخصية في التعامل مع نصوص هيدغر ولغته، ومع ترجمة لغة شوبنهاور المشحونة بالمشاعر، خاصةً ترجمتي لكتابه الرئيس «العالم إرادةً وتمثلاً».

أحسب ‬أن ‬المعيار ‬الدقيق ‬الذي ‬يمكن ‬أن ‬نستند ‬إليه ‬هنا ‬يكمن ‬في ‬مدى ‬ثقل ‬العلاقة ‬بين ‬الصوت ‬والمعنى: ‬فكلما ‬مال ‬ثقل ‬هذه ‬العلاقة ‬إلى ‬جانب ‬الصوت، ‬كانت ‬الترجمة ‬أكثر ‬صعوبة. ‬ولهذا ‬فإن ‬ترجمة ‬الكتابات ‬العلمية ‬هي ‬أكثر ‬أشكال ‬الترجمة ‬سهولة، ‬بينما ‬الشعر ‬هو ‬أكثرها ‬صعوبة، ‬وبينهما ‬متصل ‬متدرج ‬تتفاوت ‬فيه ‬أنواع ‬الترجمة ‬بين ‬السهولة ‬والصعوبة. فترجمة ‬الكتابات ‬الواقعة ‬في ‬نطاق ‬العلوم ‬الإنسانية ‬أكثر ‬صعوبة ‬من ‬ترجمة ‬الكتابات ‬الواقعة ‬في ‬مجال ‬العلوم ‬الرياضية ‬والطبيعية، ‬وحتى ‬في ‬مجال ‬العلوم ‬الإنسانية ‬تتفاوت ‬صعوبة ‬الترجمة ‬فيما ‬بينها: ‬فترجمة ‬الكتابات ‬الواقعة ‬في ‬إطار ‬علم ‬الاجتماع- ‬على ‬سبيل ‬المثال- ‬أكثر ‬صعوبة ‬من ‬تلك ‬الواقعة ‬في ‬غيره. ‬وتتربع ‬الفلسفة ‬على ‬قمة ‬هذه ‬العلوم ‬من ‬حيث ‬صعوبة ‬الترجمة، ‬بل ‬إن ‬العلوم ‬الفلسفية ‬نفسها ‬تتفاوت ‬في ‬مدى ‬تلك ‬الصعوبة، ‬وأكاد ‬أزعم ‬أن ‬الميتافيزيقا ‬هي ‬أكثر ‬تلك ‬العلوم ‬الفلسفية ‬صعوبة؛ ‬لأن ‬اللغة ‬فيها ‬تميل ‬إلى ‬التجريد ‬الذي ‬يستعين ‬بالتخييل ‬والتصوير، ‬وهي ‬تقنيات ‬أقرب ‬إلى ‬لغة ‬الأدب ‬منها ‬إلى ‬لغة ‬العلم. ‬وتبلغ ‬هذه ‬الصعوبة ‬ذروتها ‬في ‬ميتافيزيقا ‬فلاسفة ‬عظام ‬من ‬أمثال ‬بارمنيدس ‬وهيراقليطس ‬وأفلاطون ‬وشوبنهاور ‬ونيتشه ‬وبرجسون ‬وهيدغر ‬وسارتر ‬وباشلار، ‬ومن ‬على ‬شاكلتهم ‬من ‬الفلاسفة ‬التي ‬تكمن ‬المعاني ‬التي ‬يريدون ‬تبليغها ‬في ‬لغتهم ‬ذاتها. ‬ويكفي ‬أن ‬نعرف ‬أن ‬فيلسوفًا ‬مثل ‬هيدغر ‬كان ‬ينحت ‬مصطلحاته ‬نحتًا؛ ‬لأنه ‬لم ‬يكن ‬يجد ‬في ‬اللغة ‬الألمانية - على ‬ثرائها- ‬ما ‬يسعفه ‬في ‬التعبير ‬عن ‬المعنى ‬الذي ‬يريد ‬تبليغه! ‬وهكذا ‬أدخل ‬هيدغر ‬على ‬اللغة ‬الألمانية ‬مفرداته ‬الخاصة!

وعندما نقول، إن صعوبة الترجمة تكمن في مدى ثقل العلاقة بين الصوت والمعنى؛ بمعنى أنه كلما مال ثقل هذه العلاقة إلى جانب الصوت، ازدادت صعوبة الترجمة - عندما نقول ذلك، فإننا نعني ببساطة أنه كلما كان المعنى ألصق بالكلمة المنطوقة، ازدادت صعوبة الترجمة، وهذا حال اللغة الشعرية خصوصًا. ولا أعني باللغة الشعرية هنا تلك اللغة التي نجدها في قرض الشعر، بل أعني تلك الحالة اللغوية التي نجد فيها أن المعنى لا يريد أن يبرح الكلمة ذاتها، بل يسكنها، ويسكن ذلك السياق الذي توجد فيه. فهذه الحالة توجد في الشعر، ولكنها توجد أيضًا في النثر؛ ولذلك فإنها تختلف تمامًا عن حالة اللغة الإشارية التي يخرج فيها المعنى من الكلمة ولا يعود إليها أبدًا! إن المعنى هنا يسكن اللغة ذاتها؛ «فاللغة مسكن الوجود» كما يقول هيدغر، وهو يعني بذلك أن اللغة الحقة حينما تتجه إلى الخارج، فإنها تجلب الخارج إلى الداخل؛ ليقيم في بيت اللغة! وهناك الكثير من هذا في لغة الفلسفة، وعلى رأسها الميتافيزيقا!!

«درب» هيدغر ومتاهاته

يمثل هيدغر حالة نموذجية للغة الفلسفية المسكونة بهواجس الوجود وأسئلته. إن اللغة الحقة عند هيدغر هي اللغة المسكونة بالوجود؛ «فاللغة مسكن الوجود»، بمعنى أنها لا تتجه خارج ذاتها، فهي لا تشير إلى العالم الخارجي كما تشير لغة العلم، وإنما تجعل هذا العالم ماثلاً في اللغة ذاتها؛ وربما يكون هذا هو سر القرابة بين الفلسفة والشعر عند هيدغر! اللغة هنا تحاول أن تستحضر معاني الأشياء والموجودات، وبدون أن نعي هذه الحقيقة، لن نفهم شيئًا عن اللغة الفلسفية وعن ترجمة المصطلح الفلسفي عند واحد من أمثال هيدغر.

وأريد أن أتوقف عند معنى «الدرب» عند هيدغر الذي يشكل مفهومًا أساسيًا في فلسفته. ذلك أن أكثر المترجمين المتجرئين على النص الهيدغري يترجمون كلمة ‏Weg ‬- الشائعة ‬في ‬كثير ‬من ‬عناوين ‬كتابات ‬هيدغر- ‬إلى ‬كلمة «‬الطريق»‬، ‬يشجعهم ‬على ‬ذلك ‬الترجمات ‬الإنجليزية ‬لكتابات ‬هيدغر ‬التي ‬تشيع ‬فيها ‬كلمة ‬Way، ‬وهي ‬كلمة ‬عادة ‬ما ‬يتم ‬ترجمتها ‬إلى ‬العربية ‬على ‬الفور ‬إلى ‬كلمة «‬طريق» ‬دونما ‬تمحيص ‬أو ‬تدقيق؛ ‬ومن ‬ذلك ‬ترجمة ‬كتاب ‬جادامر ‬عن ‬أستاذه ‬هيدغر ‬إلى ‬العربية ‬بعنوان: ‬طرق ‬هيدغر. ‬وهي ‬ترجمة ‬غير ‬دقيقة ‬بدءًا ‬من ‬عنوانها؛ ‬ببساطة ‬لأنها ‬غير ‬واعية ‬بموضوعها: ‬فلا ‬يليق ‬أن ‬نستخدم ‬كلمة «‬طريق» ‬كترجمة ‬لكلمة ‭ «‬Weg‭» ‬في ‬كتابات ‬هيدغر، ‬وخاصةً ‬في ‬هذا ‬السياق ‬الذي ‬نحن ‬بصدده ‬الآن؛ ‬إذ ‬لا ‬بد ‬هنا ‬من ‬ترجمة ‬هذه ‬الكلمة ‬إلى «‬الدرب» ‬لا «‬الطريق»! ‬فما ‬الفرق ‬بين ‬الدرب ‬والطريق؟! ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا