• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

من يقاوم الفن والعلم والجمال والمتعة والاستهلاك؟

ما سرُّ تفوّق الغرب؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 04 فبراير 2016

هاشم صالح قد يبدو من غير اللائق أن نتحدث عن أفول الغرب أو انحطاطه، في وقت يصرح فيه رئيس الغرب باراك أوباما بأن الولايات المتحدة هي «أقوى دولة على وجه الأرض». (نقطة على السطر). ولكن على الرغم من ذلك، دعونا في بداية هذا العام الجديد نطرح السؤال التالي: ما هو وضع الغرب بالضبط؟ هل حقاً أنه في حالة انحطاط أم لا؟ هل حقاً أن هيمنته على العالم التي ابتدأت منذ أربعة قرون ستنتهي قريباً؟ قد يبدو السؤال عبثياً، في وقت يسيطر فيه الغرب على العالم عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً وفلسفياً وسينمائياً، وكل شيء تقريبا! ولكن لا بد من وقفة متأنية لكي نرى الصورة عن كثب.وسوف نعتمد لتحقيق ذلك على التحليل الدقيق لشخصيات مطلعة على خفايا الأمور بما فيها الكفاية. وهي شخصيات غربية لا عربية ولا اسلامية ولا صينية. وبالتالي فلا يمكن اتهامها بالتحيز المسبق ضد الغرب. أول هذه الشخصيات الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبريه، وهو ما عاد بحاجة إلى تقديم، لأن العالم العربي المثقف يعرفه جيداً أو على الأقل يسمع باسمه. لنقل بأنه أحد صناع الرأي العام في فرنسا من خلال كتبه ومداخلاته وحضوره القوي والمؤثر. فهو صوت مسموع ويحظى بالاحترام والتقدير في بلاد فولتير وفيكتور هيجو. وكان قد أصدر كتاباً حول الموضوع بالاشتراك مع الصحفي والأستاذ الجامعي رينو جيرار. وهو أحد كبار المراسلين الخارجيين لجريدة الفيجارو، وبخاصة فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط: أي نحن بالذات. إنه أستاذ الشؤون الاستراتيجية في معهد العلوم السياسية في باريس. وسيصدر قريباً كتاباً بعنوان: خمسون درساً من دروس الديبلوماسية المعاصرة (2016). أسباب الضعف يرى ريجيس دوبريه أن كتاب شبنجلر الشهير «انحطاط الغرب»(1918) عاد إلى الظهور مجدداً على صفحات الجرائد والمجلات الفرنسية. فهل يشعر الغرب ضمنياً بأن حالته ليست على ما يرام؟ هل يشعر بأن زمن الأفول قد أزف أو اقترب؟ ولماذا كل هذا الشعور بالخوف من المستقبل؟ هناك عدة عوامل تفسر سبب انعدام ثقة الغرب بنفسه أو قل بعض قطاعات الغرب، وليس الغرب ككل. أول هذه الأسباب الانهيار الديمغرافي للغرب الأميركي-الأوروبي. فالغرب ما عاد يشكل سكانياً أكثر من عشرة بالمائة من سكان العالم. فإلى متى سيظل قادراً على قيادة العالم بعدد قليل كهذا؟ هل يمكن لعشرة في المئة أن يقودوا تسعين في المئة إلى أبد الآبدين؟ يضاف إلى ذلك أن الأزمة الاقتصادية، وبالأخص البطالة التي يعاني منها الغرب أو قسم منه، جعلته يفقد غروره وغطرسته.. ولا ننسى الخوف على البيئة والصحة العامة من المجهول. فتلوث المناخ الناتج عن التصنيع المكثف منذ قرنين وبث غاز الكربون في الجو أصبح يهدد الكرة الأرضية بأسرها. وهناك عوامل أخرى أيضاً، كفقدان الإيمان وحياة الشهوات والملذات الإباحية بلا حدود.. لكن قبل أن نطلق حكماً عاماً على وضع الغرب، قبل أن ننعيه ونكفنه وندفنه بشكل متسرع، لنحاول أن نعرف ما هي نقاط القوة التي يتمتع بها وما هي نقاط الضعف. فهذه أفضل طريقة لتجنب العموميات السهلة وإلقاء الكلام على عواهنه.. ذلك أن الغرب لا يزال يهيمن على العالم حتى الآن وربما لسنوات طويلة مقبلة، كما ذكرنا. قبل أن ندخل في صلب الموضوع، ينبغي القول بأن الغرب مشكَّل من جناحين كبيرين يقعان على طرفي المحيط الأطلسي: الولايات المتحدة الأميركية وتوابعها من جهة، والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى. وقديما قال ديجول بأن أمريكا ليست إلا بنت أوروبا. ولكن البنت تفوقت على أمها! نقاط القوة إن نقطة القوة الأولى للغرب: تماسك لا مثيل له بين كلا الجناحين الأوروبي - والأميركي. فالولايات المتحدة تسيطر على الغرب كله من خلال حلف الأطلسي. ومن أصل 27 دولة يشكلها الاتحاد الأوروبي هناك 21 دولة منضوية تحت جناح هذا الحلف العسكري الشهير. وهي راضية كل الرضى بهذا الانضمام شاعرة بأن أمريكا تحميها. ومعلوم أن ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية أكبر ميزانية في العالم، بل وأكبر من ميزانيات الدول الكبرى الأخرى مجتمعة. إنها تتجاوز الـ600 مليار دولار سنوياً. وأساطيلها وحاملات طائراتها موجودة في القارات الخمس. مقابل ذلك لا يوجد أي حلف آسيوي لكي يضاهي أو ينافس حلف الأطلسي. من يتخيل أن الهند والصين، وهما العملاقان الآسيويان المتنافسان على كل شيء، يمكن أن يشكلا تحالفاً واحداً؟ هذا ناهيك عن اليابان التي تكره الصين كرهاً شديداً. وناهيك عن فييتنام التي تكرهها كرهاً أشد. وأما العالم الإسلامي فلا يستطيع أن يواجه الغرب حتى ولو توحد. وهو أمر متعذر على كل حال. أما نقطة القوة الثانية، فهي: احتكار القيم الكونية. كلنا يعلم أن جميع الدول تواصل في الخارج مصالحها الحيوية الخاصة. فمثلاً الصين المحرومة من المواد الأولية كالغاز والبترول تحرص أشد الحرص على شبكات تزويدها في إيران أو العالم العربي أو حتى الإفريقي. إنها تمارس ما ندعوه «بالأنانية المقدسة» للدول. والغرب أيضاً يمارس ذلك، وعلى أوسع نطاق. ولكنه وحده الذي يتجرأ على تقديم مصالحه الشخصية، وكأنها التعبير عن مصلحة البشرية بأسرها! إنه يغلفها بطابع براق تحت اسم الحرية والتقدم والتنوير والحداثة وحقوق الإنسان إلخ.. إنه يقدم نفسه على أساس أنه يمثل الضمير الكوني العالمي. وأكبر دليل على ذلك أن مقر الأمم المتحدة التي تجسد هذا الضمير يوجد في نيويورك لا في موسكو أو بكين أو طوكيو أو نيودلهي.. وبالتالي فالغرب هو مركز العالم، شاء الآخرون أم أبوا. ومؤخراً صرح بطرس غالي أن الأمم المتحدة خاضعة لحلف الأطلسي. وهو يعرف عما يتحدث. ورئيس أميركا هو عملياً رئيس حلف الأطلسي. وبالتالي فالامبراطورية الأميركية تهيمن على العالم. وهي امبراطورية تجمع بين الفلسفة البراجماتية/&rlm&rlm&rlm&rlm والتصوف، بين الحداثة/&rlm&rlm&rlm&rlm والقدامة. وعلى عكس أوروبا الغربية الملحدة، فإن معظم الشعب الأميركي يؤمن بالله بنسبة 90 في المئة. أما في فرنسا فلا تزيد النسبة على 50 في المئة أو حتى 20 في المئة بشكل مؤكد. وربما تكون النسبة أقل في انجلترا.. يرى ريجيس دوبريه أن نقطة القوة الثالثة للغرب هي: تخريج مثقفي العالم وكوادره العليا. فالغرب يخرج كوادر العالم ونخبه السياسية والثقافية، بل وحتى العسكرية. وعلى الرغم من أن الدول الأخرى لا تنفك تدين الامبريالية الأميركية على مدار الساعة، فإن الطبقات البورجوازية العربية وغير العربية تفضل أن ترسل أبناءها إلى جامعة هارفارد أو بيركلي أو كولومبيا في نيويورك أو كامبردج أو أكسفورد أو السوربون ألخ.. فلا أحد يثق بشهادات الجامعات الشرقية. وحتى أمراء الصين الحمر الشيوعيون يرسلون أبناءهم إلى الجامعات الأميركية!. ينبغي العلم بأن أميركا تستقبل كل عام 3000 من القادة الشباب أو الذين تدعوهم كذلك. ومن بينهم بضع مئات من الفرنسيين، وليسوا كلهم من أبناء العالم الثالث. وهي تدربهم في جامعاتها وتجبلهم بلغتها وتصهرهم بثقافتها. لقد خرجت أميركا في العقود الماضية مئات الآلاف من كوادر العالم، ومن كل الجنسيات، والأديان، والقوميات. وهو شيء لم تتجرأ عليه الامبراطورية البريطانية، حتى وهي في أوج مجدها.. وبالتالي فالامبراطورية الأميركية لا مثيل لها في التاريخ. يضاف إلى ذلك أن هناك في أميركا 42 مليون من أبناء الجاليات المغتربة العربية والإفريقية والهندية واليابانية وحتى الصينية.. وهؤلاء، أو قل نخبهم، يلعبون دور الوسيط بين أميركا ودولهم الأصلية. وثمة نقطة قوة رابعة للغرب هي: تشكيل الحساسيات والثقافات و«الموضات» البشرية، وهي مرتبطة بالسابقة. وأميركا ليست فقط القوة الخشنة (أي العسكرية) الأخطر في العالم، وإنما هي أيضاً القوة الناعمة (الثقافية) الأكبر في العالم. فالسينما الأميركية هوليوود والثقافة الأميركية والجامعات الأميركية.. ألخ، تشكل أكبر جاذبية لأميركا. وقل الأمر ذاته عن الموسيقى الشعبية الأميركية والمشروبات الأميركية والجينز الأميركي، وحتى مطاعم الماكدونالد التي لا أحبها أنا شخصياً. وهي تساهم في خضوع الآخرين لها دون مقاومة تذكر. من يقاوم الفن والعلم والجمال والمتعة والاستهلاك؟ ثم إن الضعيف المتأخر يقلد دائماً القوي الناجح - كما يقول ابن خلدون. على هذا النحو تفرض أميركا هيمنتها على العالم من خلال القوة الخشنة والقوة الناعمة في آن معاً. ولكن هل الدولار من القوة الخشنة أو الناعمة؟ بين بين. والدولار يمثل العملة الاحتياطية الكونية للعالم منذ عام 1945. إنه سيد العملات العالمية من دون منازع. كما أن شركات الإعلان العشرة الكبرى في العالم هي غربية أوروبية أو أميركية. والأفلام الأميركية تغزو السوق الصينية وتجبل الإنسان الصيني بحساسيتها وتصوراتها. بل وتغزو السوق العربية والإيرانية والتركية والعالم كله.. ويمكن القول بأن الكوكا كولا ربحت حرب فييتنام بعد أن خسرها الجيش الأميركي! والجرائد الأميركية الكبرى تصوغ عقول قادة العالم. صحيح أن شومسكي كان مرفوضاً من قبل النيويورك تايمز، ولكن ليس إدوارد سعيد!. صحيح أن بوليس الفكر(أو الرقابة) في فرنسا أقوى منه في أميركا، ولكن -عموماً- فإن الغرب يسمح بحرية النقد والاعتراض والاختلاف. وقد صدق أوباما في خطابه الأخير عن حالة الاتحاد، إذ قال: «إن العالم لا يحترمنا بسبب ترسانتنا العسكرية، وإنما بسبب تنوعنا وانفتاحنا واحترامنا لكل الأديان والمعتقدات». ثم يضيف هذا الكلام المهم جداً ضد دونالد ترامب وبقية العنصريين: «إن توجيه الإهانة للمسلمين لن يجعلنا أكثر أماناً، عدا عن أنه خيانة لما نمثله كبلد.لهذا السبب نحن بحاجة إلى رفض كل سياسة تستهدف الناس بسبب العرق أو الدين». خطاب ولا أروع. خطاب رئيس تنويري عقلاني من أرقى ما أنجبته أميركا من رؤساء على مدار تاريخها الطويل. إنه من أعظم الرؤساء منذ إبراهام لنكولن أو وودرو ويلسون، وحتى اليوم. على أي حال، من هنا جاذبية المجتمع الأميركي. ففي الغرب كل الديانات لها الحق في الوجود وكل التيارات الفكرية والإيديولوجية بشرط ألا تدعو إلى الطائفية أو العنصرية. وفي الغرب حرية البحث والنقد مضمونة للمثقفين وأساتذة الجامعات. ولذا نجد أن الكتب التي تنقد المسيحية، وتعري معتقداتها وأصولها وبابواتها وسلفيتها الدوغمائية لا تحصى ولا تعد. ومع ذلك فلم تنقرض المسيحية! بل ازدادت انتعاشاً ونضجاً، وتخلصت من أصوليتها الانغلاقية التعصبية. ولكن من يتجرأ على أن يفعل نفس الشيء في العالم العربي أو الإسلامي؟ فوراً يوقفونك عند حدك، أو حتى يحبسونك بتهمة: ازدراء الأديان! هذا في حين أنك لا تزدري الأديان إطلاقاً، وانما فقط تقدم عنها صورة علمية، تاريخية، فلسفية. وهذا ليس ازدراء، وإنما احتراماً للتراثات الدينية الكبرى للبشرية.. «ولكن أكثر الناس لا يعلمون».. كما يقول القرآن الكريم عن حق وصدق. كل ما فعله أركون - مثلاً - على مدار نصف قرن هو تقديم صورة تاريخية مضيئة عن التراث الإسلامي العظيم. ولقد قدم بذلك أكبر خدمة للإسلام والقرآن. فالمخلصون الحقيقيون للتراث هم المجددون المبدعون لا المكررون المقلدون. بقيت نقطة أساسية تمثل جوهر الحضارة الغربية، وتفسر سبب تفوقها على كل أمم الأرض. وهي مرتبطة بالنقطة السابقة أو تشكل امتداداً لها. ويلخصها ريجيس دوبريه بكلمة واحدة أو ثلاث كلمات: «امتصاص السلبية النقدية». الغرب يمتص كل ما هو مضاد له، عن طريق تركه يعبر عن نفسه لا عن طرق قمعه - كما نفعل نحن. وحتى ولو كان جارحاً له ومزعجاً جداً، فإنه يتركه يعبر عن نقمته. وبهذه الطريقة يحيَده. ولذلك تسمع الشتائم يومياً ضد الغرب في قلب الغرب! وعن طريق هذا التعبير الحر عما هو سلبي يمتص الغرب النقمة العارمة عليه. وهنا تكمن عبقرية الغرب، وديناميكيته، وصلابته؛ «فالأزمة التي لا تقتلني تقويني» كما يقول نيتشه. والنقد الذي لا يدمرني ينعشني ويحييني..أما ما يقتل الحضارات الأخرى فهو اللون الواحد والخط الواحد والفكر النمطي الواحد. ما يقتلها هو القمع والكبت والزجر.لا أحد يستطيع أن يفتح فمه تقريباً. وبالتالي لكي تفكر بحرية ينبغي أن تهاجر إلى بلدان الغرب، كما فعل المفكر الباكستاني فضل الرحمن، أو الإيراني داريوش شايجان، أو حتى أركون نفسه، من جملة آخرين عديدين. إنها هجرة الأدمغة والعقول. ولذا فأوباما على حق عندما يقول في خطابه الوداعي الأخير بأن «الشرق الأوسط يمر بمخاضات هائجة ومرحلة انتقالية صعبة متجذرة في نزاعات تعود إلى ألف سنة. ويحتاج إلى جيل كامل لتجاوزها». وهذا يعني أنه يفهم منطقتنا أكثر منا نحن! على أي حال من هو أستاذ النقد والفلسفة النقدية الذي أسس حضارة الغرب الديناميكية كلها؟ إنه المفكر الألماني الكبير إيمانويل كانط. وبعضهم يعتبره أعظم فيلسوف في العصور الحديثة. ولكن لا ينبغي أن نستهين بهيجل الذي جاء بعده مباشرة.. والآن حل محلهما يورجين هابرماس.ألم نقل لكم بأن الفلسفة للألمان؟ أما النقطة الخامسة والأخيرة من سبب تفوق الغرب فهي: الابتكارات العلمية والتكنولوجية، وربما كان ينبغي أن نبتدئ بها - كما يقول ريجيس دوبريه - فالاختراعات العلمية والتكنولوجية الصارخة هي التي أدت إلى تفوق الغرب على كل النطاقات الحضارية الأخرى في العالم. والآن يحاول الجميع تقليدها. بل وقد حققت بعض الدول غير الغربية نجاحات مهمة في هذا المجال. فيوجد الآن مهندسون هنود وصينيون أكثر مما يوجد مهندسون أميركان. ولكن هذا لا يعني أن أميركا أصبحت مسبوقة. فالواقع أن معظم جوائز نوبل للطب والفيزياء والعلوم والاقتصاد تذهب إلى باحثين أميركان أو غربيين عموماً. ولا يزال معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا هو الأكثر تقدماً وابتكاراً في العالم. وقد نال 64 من أساتذته وخريجيه جائزة نوبل في جميع الاختصاصات. وقل الأمر ذاته عن بقية الجامعات الأميركية، وبالأخص عن السيليكون فالي (أو وادي السيليكون) الواقع في ولاية كاليفورنيا. ففيه يتم تجريب وتطوير أحدث أنواع التقنيات العالية.. وبهذا الصدد ينبغي العلم بأن أمريكا تشتري العقول الأجنبية برواتب ضخمة جداً إلى درجة أن الفرنسيين يشتكون منها. فهي تسرق عباقرتهم وعلماءهم.. فما إن تسمع بباحث عبقري في أي دولة من دول العالم حتى تقدم له كل التسهيلات، وتغريه بالذهاب إليها والعمل في جامعاتها ومختبراتها. ولهذا السبب تتفوق أميركا على كل أمم الأرض. حكم القانون وماذا عن الميزة السادسة للغرب؟ يعيب رينو جيرار على ريجيس دوبريه أنه نسي خاصية سادسة وأخيرة من خصائص الغرب التي تميزه عن جميع الدول والأمم. وربما كانت أهم خاصية، ألا وهي: دولة القانون والمؤسسات أو حكم القانون الذي ينطبق على الجميع. فحكم القانون هو المهيمن على الغرب، في حين أن حكم التعسف والاعتباط والاستبداد هو المهيمن على الشرق. فالأقوى في الشرق، هو الذي يفرض قانونه ووجهة نظره. هذا في حين أن أكبر رئيس دولة في الغرب خاضع لحكم القانون الذي يخضع له الكناس أو الزبال.. وعندما ينتهكه فإنهم يسقطونه، حتى ولو كان رئيس أعظم دولة في العالم. أنظروا ماذا حصل لنيكسون بعد اندلاع فضيحة ووترجيت. وهناك أمثلة أخرى عديدة على (شرشحة) ومعاقبة مسؤولين عديدين، لأنهم انتهكوا القانون أو استغلوا منصبهم للإثراء غير المشروع أو للمحسوبية وتوظيف أقاربهم في أعلى مراكز الدولة. أما الغرب فيتبع قاعدة الرجل المناسب في المكان المناسب. ولهذا السبب ينجح ويتفوق. وأما دول العالم الثالث فكلها محسوبيات ورشاوى ومحاباة للأقارب في التوظيف، حتى ولو كانوا فاشلين أو غير أكفاء على الإطلاق.. ألخ. ولذلك تفشل. فالرجل المناسب ليس في المكان المناسب.. بل إنهم قد يعاقبون المتفوق المخلص النزيه، ويكافئون الغشاش المنتفع الانتهازي!. الأمور معكوسة عندنا. فكيف تستقيم الأمور في مثل هذا الجو؟ كيف يمكن أن يحصل التقدم والتطور؟ عندما حاول رئيس فرنسا السابق ساركوزي وضع ابنه الشاب غير المجرب على رأس مؤسسة ضخمة في منطقة «الديفنس» الراقية بالقرب من الشانزيليزيه هاجوا عليه وشنعوا به، فاضطر إلى التراجع وإلغاء قرار التعيين. لقد تراجع وهو رئيس فرنسا وقائدها الأعلى وعجز عن توظيف ابنه! فكيف يمكن أن تخاف على بلد كهذا؟ إلى متى؟ إلى متى ستستمر الهيمنة الغربية أو الأميركية على العالم؟ هذا هو السؤال المطروح حالياً من قبل الباحثين والخبراء الاستراتيجيين. ينبغي العلم بأن الامبراطورية الأميركية تهيمن على العالم منذ منتصف القرن العشرين: أي منذ أفول الامبراطورية البريطانية. لقد استلمت الراية منها وحلت محلها. وأميركا بشكل من الأشكال هي بنت انجلترا. وعلى أي حال، فهناك تضامن وثيق يجمع العالم الانجلو- سكسوني ببعضه البعض. وهذا ما كان يغيظ ديجول أشد الغيظ. لقد سقطت كل الامبراطوريات السابقة بعد أن وصلت إلى الذروة: فما بعد القمة إلا الانحدار. هذا قانون تاريخي. ولكن يتوقع الخبراء أن تظل أميركا متربعة على عرش العالم حتى العام 2050 على الأقل. وبعدها لن تتبخر ولن تموت، وإنما ستظل قوة عظمى يحسب لها الحساب. ولكنها لن تكون القوة العظمى الوحيدة عندئذ. وإنما ستضطر إلى تقاسم «كعكة العالم» مع دول جبارة أخرى كالصين والهند واليابان والبرازيل، وربما روسيا..عندئذ سينتهي عصر الهيمنة الأميركية المطلق على العالم، مثلما انتهت الامبراطوريات السابقة، كالامبراطورية الرومانية والإسبانية والانجليزية والعربية الإسلامية أيضاً. ولكن هل ستدوم هذه الهيمنة الأميركية على العالم إلى الأبد؟ مستحيل.لا تدوم إلا للحي القيوم. المشكلة هي أن علماء المستقبليات يتسرعون أحياناً في الحكم والتنبؤات، كما فعل المفكر الانجليزي بول كيندي الذي تنبأ بانهيار الامبراطورية الأميركية بعد هزيمتها في فيتنام. لكن الواقع جاء مخالفاً لتوقعه، حيث انطلقت أميركا اقتصادياً وسياسياً من جديد، بعد أن تخلصت من عبء مشكلة فيتنام. حرية النقد.. مضمونة إن واحدة من نقاط القوة الأساسية لدى الغرب هي كون حرية البحث والنقد مضمونة للمثقفين وأساتذة الجامعات. ولذا نجد أن الكتب التي تنقد المسيحية وتعري معتقداتها وأصولها وبابواتها وسلفيتها الدوغمائية لا تحصى ولا تعد. ومع ذلك فلم تنقرض المسيحية! بل ازدادت انتعاشا ونضجا وتخلصت من أصوليتها الانغلاقية التعصبية. ولكن من يتجرأ على أن يفعل نفس الشيء في العالم العربي أو الاسلامي؟ فورا يوقفونك عند حدك أو حتى يحبسونك بتهمة: ازدراء الأديان! هذا في حين أنك لا تزدري الأديان اطلاقا وانما فقط تقدم عنها صورة علمية، تاريخية، فلسفية. وهذا ليس ازدراء وانما هو احترام للتراثات الدينية الكبرى للبشرية، «ولكن أكثر الناس لا يعلمون».. كما يقول القرآن الكريم عن حق وصدق. كل ما فعله أركون على مدار نصف قرن هو تقديم صورة تاريخية مضيئة عن التراث الإسلامي العظيم. وقدم بذلك أكبر خدمة للإسلام والقرآن، فالمخلصون الحقيقيون للتراث هم المجددون المبدعون لا المكررون المقلدون. تفوق التعليم رغم أن الدول الأخرى لا تنفك تدين الإمبريالية الأميركية على مدار الساعة فإن الطبقات البورجوازية العربية وغير العربية تفضل أن ترسل أبناءها إلى جامعة هارفارد أو بيركلي أو كولومبيا في نيويورك أو كامبردج أو أكسفورد أو السوربون إلخ.. فلا أحد يثق بشهادات الجامعات الشرقية.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف