• الأحد 09 ذي القعدة 1439هـ - 22 يوليو 2018م

أعمارهن بين 14 و 30 عاماً و 20% منهن مسيحيات ويهوديات وبوذيات

كيف أغرى «داعش» شابات أوروبيات؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 28 يونيو 2018

أنطوان جوكي

أقل ما يمكن أن يقال في «تنظيم داعش» هو أنه ليس رقيقاً مع المرأة. فبين عدم مساواتها بالرجل على مستوى الحقوق وحبسها في منزل مغلق إلى حين زواجها، وبالتالي منعها من الخروج وحدها من سجنها، وفرض ارتداء البرقع عليها، ورفض فكرة إتمام تعليمها، وواجب تأديبها ضرباً «عند اللزوم»... جميع هذه العناصر التي من المفترض أن تجرح وعي أي امرأة حديثة لا تحضر فقط في عقيدة «داعش»، بل وضعها المنتمون إلى هذا التنظيم موضع التنفيذ بصرامة وعنفٍ مرعبَين. كيف يمكننا إذاً تفسير الإغراء الذي مارسه على عدد كبير من النساء الأوروبيات، وحثّ مئات منهن على التوجّه إلى سوريا والعراق في السنوات الأخيرة للالتحاق به، وأحياناً للمشاركة في أعمال إرهابية في أوروبا ومناطق مختلفة من العالم؟

قبل أن نحاول الإجابة عن هذا السؤال، لا بد أولاً من الإجابة عن سؤالٍ آخر بدهي: من هنّ تلك النسوة وكيف يمكن التعريف بهنّ؟ من الدراسات العلمية التي وُضعت حديثاً حول هذا الموضوع، يتبيّن أن معظمهنّ شابات كن ينتمين إلى الطبقة الوسطى، خصوصاً المسيحيات واليهوديات والبوذيات اللواتي شكّلن نحو عشرين في المئة من مجموعهنّ. وبخلاف الجزء الأكبر من الشبّان الأوروبيين الذين التحقوا بـ «داعش»، لم يكن الجزء الأكبر من هذه الشابات يسكن الضواحي المهمّشة للمدن الأوروبية الكبرى، بل هذه المدن بالذات. أما أعمارهنّ فتراوحت بين 14 و30 عاماً، علماً أن نسبة القاصرات منهنّ تجاوزت نسبة القاصرين.

ولا عجب إذاً في اندراج دوافع توجّه هذه الشابات إلى واحد من البلدَين المذكورَين ضمن رؤيةٍ رومنطيقية ساذجة للحب، أو ضمن رغبةٍ في تغيير مشهد حياتهنّ، أو ضمن توقٍ إلى أن يصبحن نساءً ناضجات بسرعة، كما يتجلى ذلك في سعيهنّ إلى الزواج والإنجاب بشكلٍ مبكِر. وثمّة دافع آخر يتمثّل في رغبة بعضهن في الانخراط في مهمة إنسانية لمواجهة الفظائع التي مارسها نظام الأسد ضد شعبه ووظّفها تنظيم «داعش» لاستقطابهنّ وتجنيدهنّ، من دون أن ننسى الصورة التي روّج لها هذا التنظيم لمقاتليه كرجال مثاليين في ذكوريتهم وجدّيتهم، وفي صراحة التزامهم قضيتهم إلى حد عدم الخوف من الموت من أجلها؛ صورة لعبت دوراً في إغراء شابات لم يعرفن في محيطهنّ سوى شبّان غير ناضجين وغير قادرين على الالتزام.

بحثاً عن الرجل «المثالي»

ولا شك في أن البحث عن هذا الرجل «المثالي» شكّل أيضاً وسيلة للإفلات من ضيقٍ ناتج من عدم الاستقرار الذي يميّز العلاقات الزوجية بين الوالدَين في أوروبا. فبعد اختبار معظم هذه الشابات هشاشة وتصدّع علاقة والديهما، لا مفاجأة في بحثهنّ عن علاقة يوتوبية يتناغم فيها رابط الثقة مع عدم مساواة نظرن إليها كعنصر إيجابي، كـ «تكامُل» في العلاقة يضطلعن فيه بدور الأم الذي أضفى تنظيم داعش عليه مثالية أعمتهنّ عن وضعهن الأدنى. وفعلاً، سعى هذا التنظيم على مواقعه الإلكترونية إلى تمجيد نُبل المرأة ـ الأم المرتبطة بعلاقة ثقة مطلقة مع رجلٍ تم تصويره كـ «بطل» و«سند لا يتزعزع». وفي حال أضفنا أن مساواة المرأة بالرجل أمام القانون في المجتمعات الأوروبية لم تعد ترضي الكثير من الشابات اليوم، نظراً إلى أن المرأة الأوروبية المتزوجة تضطر غالباً إلى كسب قوتها وقوت عائلتها، وفي الوقت نفسه، إلى الاضطلاع بجميع المهمات في المنزل، من تنظيف وطبخ واهتمام بالأولاد، لفهمنا تقبّل بعضهنّ من جديد تلك الوضعية التقليدية التي ناضلت النساء في العالم طويلاً للانعتاق منها.

من جهةٍ أخرى، يفتح طلاق الوالدَين في أوروبا وزواج كلّ منهما من جديد هامش مناورة كبير لطفلهما على ضوء حقوقه القانونية، ما يسمح له بالتلاعب بسلطتهما وأيضاً بسلطة زوج الأم وزوجة الأب. وبخلاف العائلة البطريركية التقليدية التي تتركز السلطة فيها بيد الأب، يؤدّي تعدُّد مصادر السلطة داخل العائلة الحديثة التي أعيد تشكيلها بعد الطلاق، إلى إضعافها، علاوةً على تشكيل هذا التعدّد مصدر قلق وشكّ لجميع أفراد العائلة. ومع عدم ترسّخ السلطة في العالم الرمزي للطفل، يصبح في سن المراهقة أكثر عرضة للتأثّر بالعالم الافتراضي الذي يكتشفه على شبكة الإنترنت. ولأن الأزمة الاقتصادية وصعوبة العثور على عمل تجبر المراهقات على العيش مدّةً أطول في منزل الوالدَين، وبالتالي تمدد مرحلة مراهقتهن، يمكن لما يبشّر تنظيم «داعش» به على هذه الشبكة أن يمنحهنّ شعوراً بنضجٍ يفتقدنه، لدى معانقتهنّ قضيته، خصوصاً أن هذا التنظيم يرى في القاصرات نساءً جاهزات للزواج والإنجاب، في حين أنه يمكن عدم الاستقرار الذي يوحي به نموذج الزواج الحديث الذي وُلدت هذه المراهقات نتيجته أو شعرن بأنهنّ معرَّضات لاختباره وتكراره، أن يحثّ بعضهنّ على اعتبار أن الاقتران بأحد مقاتلي «داعش» سيلبّي توقهنّ إلى علاقة رومنطيقية يتعذّر تدميرها، ويمنحهنّ فرصة الإفلات من علاقات الحب العابرة التي اختبرنها. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا