• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

الفنون وسيلة التراث الصوفي للحصول عليها

أرواح حرّة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 06 أكتوبر 2016

د.حورية الظل

عرف المتصوفة الانفتاح الديني والفكري، وتميزوا بالتسامح ومحبة الآخر وقبوله كما هو لا كما يجب أن يكون، وسر ذلك حسهم الجمالي المرهف وعشقهم المتأبد للحرية، وبذلك يكون الفكر الصوفي مقاوماً للتعصب ونابذاً له، كما أن له تأثيراً كبيراً في الفنون والأدب كالشعر والخط والعمارة والزخرفة والموسيقى. فكيف أثر التصوف في الفن، وهل ذلك التأثير ساهم في رقي الإنسان المسلم وفي عظمة الحضارة الإسلامية؟

الفن تعبير عن الجمال وترجمة له ووسيلة لتحرير الروح وتحررها، والله جميل يحب الجمال كما جاء في الحديث الشريف، وتأثراً بالفكر الصوفي أدرك الفنان المسلم أنه ينقل صورة أبدعها الخالق في الكون، ويؤكد ذلك المفكر السوداني الراحل أحمد عبدالعال بقوله: «التصوف الإسلامي وحده هو الذي يشكِّل مادة علم الجمال في الإسلام، وأعني بذلك التصوف عند كبار الأئمة المؤسسين من الذين تحققوا بمقولاتهم وأفكارهم، وذلك كأساس لوحدة الشعور والفكر والقول والعمل، وما ذلك إلّا لأن المتصوفة أقاموا الجمال في البنية الحية في الإنسان، باعتبار أن الفن هو تجاوز المعتاد من رؤية الحياة لسبر حقائق الوجود الذي يفضي إلى القرب الأتم من صانعه جل جلاله».

واهتمام المتصوفة بالفن ترجمة لوعيهم الأكيد باعتباره وسيلة من وسائل تجلية الجمال ونشر المحبة والتسامح والرقي والانتصار لإنسانية الإنسان والإسهام في شحذ جانب الخير فيه وجعله ينتفع بالجمالي والأخلاقي ويصل حسب «إيفا ميروفيتش» إلى: «الكمال الروحي»، لذلك يرى «كولن ولسن» في كتابه «الشعر والصوفية» بأن الفن والتصوف هدفهما: «إعادة الروح إلى عالم تتآكل فيه روحانية الإنسان»، والجانب الروحي للفن لدى المتصوفة وسيلة معتبرة لتطهير الإنسان وتحرر الروح لتحقيق القرب من الحضرة الإلهية، ويتحقق ذلك عن طريق فك قيود «الأنا» الكاذبة التي تجعل الإنسان يحس من خلالها بأنه متميز ومتفرد عن الآخرين لكن تحرره من تلك «الأنا» بمنحه القدرة على أن يفجر «أناه» الفعلية والخالدة والتي هي أساس كل جمال.

وبذلك تكون الفنون الإسلامية قد اغترفت من ينابيع التصوف، لأن المتصوفة احتفوا بالجمال، وعدوه من القيم العليا التي تتجاوز المادي المحسوس، وحسب محمود إسماعيل فإن: «دور المتصوفة في إثراء الفن الإسلامي غلب على موقف الفقهاء الذين حرموا التصوير».

أبعاد روحيّةويتمظهر أثر التصوف في الفنون أيضاً من خلال منح الجمالية الإسلامية ذلك البعد الغيبي والروحي المحيَّد عن الجمالية الوضعية ذات المنظور المادي والحسي، لذلك جنح الفنان المسلم من خلال فنه، لتصوف يبتعد من خلاله عما هو عرضي ومتحقق في الواقع، إلى وحدة أسلوبية عُدت جوهر هذا الفن، فجرد الأشياء من قيمتها بنقلها إلى الفن، وعكف على إبراز قيمة الأشكال، بدل التركيز على مظهرها الخارجي ومضامينها، لأن قيمة العمل الفني وجماليته، تتوضح من خلال جوهره وليس عرضيته، وأيضاً من خلال تلك اللمسة الروحية التي يضفيها عليه الفنان، فتتجاوب معها النفس، وتشعر بانتمائها إلى عوالم روحانية، توحي بالسلام والطمأنينة، ومن ثم فإن جمالية الفن الإسلامي تدرك حسياً وروحياً، أو جمال يدركه البصر وآخر تدركه البصيرة، ويفضل الغزالي الجمال المدرك بواسطة البصيرة لأن: «البصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر» حسب تعبيره. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف