• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

خطاب الأزمة في الولايات المتحدة المقرون بطموح تشوبه العنصرية ويدعو لعمليات ترحيل جماعي أدى مراراً إلى الإضرار بالبعض ومن المرجح أن يجلب لنا العار

الترحيل الجماعي.. تجارب خطيرة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 28 سبتمبر 2016

دانييل ألين*

ها نحن قد وصلنا إلى المراحل النهائية من الانتخابات. وحان الوقت لنصبح جادين حيال فهم الخطورة في اقتراح دونالد ترامب لترحيل من 5 – 11 مليون مهاجر غير شرعي ووعده بترحيل 2 مليون «في غضون شهور» حال انتخابه رئيساً. في شهر مايو، ذكر وزير الأمن الداخلي الأميركي السابق «مايكل شيرتوف» لصحيفة نيويورك تايمز: «لا يمكننا الآن تصور كيف يمكن ترحيل 11 مليون شخص في غضون بضع سنين في حين أننا ليس لدينا دولة بوليسية، حيث لا يمكن للشرطة اقتحام منزلك كيفما تشاء وأخذك بعيداً دون أمر ضبط»، وقال أيضاً: «ما لم تعلق الدستور وتعطي أوامر للشرطة للتصرف كما لو كنا نعيش في كوريا الشمالية، فإن هذا لن يحدث».

وتنطوي سياسة ترامب هذه على إضافة 5000 من أفراد حرس الحدود، أي ثلاثة أضعاف عدد وكلاء الترحيل في دائرة الهجرة والجمارك في الولايات المتحدة، ليخلق بذلك قوة ترحيل خاصة، وصفها كوحدة عسكرية وترحيل ليس مجرد الناس الذين أدينوا بارتكاب جرائم، بل أيضاً ترحيل المهاجرين الذين تجاوزوا مدة إقامتهم والمهاجرين غير الشرعيين الذين تم إلقاء القبض عليهم، حتى وإن كانوا غير مدانين. ومن بين المرات التي شهد فيها العالم مثل هذا الجهد الكبير في الترحيل الجماعي في دولة متقدمة كان في تسعينيات القرن الماضي في يوغوسلافيا السابقة.

في عام 1989، عقب سقوط جدار برلين وبعد أربعة عقود من العلاقات العرقية والدينية السلمية في يوغوسلافيا، تولى السلطة سياسيون ما بعد الشيوعية من المجتمعات الثلاثة في البوسنة والهرسك (الكروات والمسلمون والصرب) في موجة من الخطاب العرقي القومي. وبدءاً من عام 1992، أصدروا سياسات رسمية مثل «الأهداف الاستراتيجية الست للشعب البوسني الصربي»، والتي تضمنت النقل القسري للجماعات الأخرى من المدن والقرى، باستخدام «فرق أزمات» جديدة تتألف من الشرطة والقوات المدنية شبه العسكرية.

وتحولت الترحيلات إلى سياسة ممنهجة تعرف باسم «التطهير العرقي». وفي 1994، أعلن مجلس الأمن الدولي أن الإبعاد القسري على أساس العرق هو جريمة ضد الإنسانية، وفي نهاية المطاف كانت هناك مساءلة للقادة السياسيين الذين سنوا قوانين الترحيل وحرضوا أتباعهم على الكراهية والعنف. وفي مارس 2016، أدانت المحاكمة الجنائية الدولية رئيس صرب البوسنة السابق «يادوفان كارازيتش» بتهمة الإبادة الجماعية وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وحكمت المحكمة بأن خطاباته والدعاية الرسمية ساهمت مساهمة كبيرة في مؤسسة إجرامية مشتركة مفرطة لخلق دولة متجانسة عرقياً من صرب البوسنة.

وبطبيعة الحال فإن الولايات المتحدة لديها تاريخها الخاص من الترحيل الجماعي. هناك «درب الدموع» في القرن الـ19، عندما قامت الحكومة الأميركية بالترحيل القسري للقبائل الأميركية الأصلية في جنوب شرق البلاد إلى أراضي غرب نهر المسيسبي. وفي ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، وتحت ضغط الكساد الكبير، تم ترحيل نحو 2 مليون مكسيكي وأميركي من أصل مكسيكي، فقد الكثير منهم ممتلكاتهم، وكان هذا أيضاً على خلفية أعمال الشغب التي وقعت في لوس أنجلوس عام 1943، عندما قام بحارة وقوات مشاة البحرية الأميركية بمهاجمة الشباب اللاتيني، وقد امتد العنف إلى سان دييجو وأوكلاند، وتطور إلى أعمال عنف عنصري في صيف ذلك العام في شيكاغو وفيلادلفيا وديترويت ونيويورك وإنديانا. وفي خمسينيات القرن الماضي، كانت هناك محاولة لترحيل الملايين مرة أخرى فيما عرف بـ«عملية ويتباك». وفكرة أن الحكومات تعلمت كيف تقوم بعمليات ترحيل جماعي بطرق «إنسانية وفعالة» هي فكرة سخيفة، فقد كان ترحيل الملايين من أعضاء أقلية عرقية أو جماعة دينية من الأراضي مصحوباً، في كل الأمثلة التاريخية، بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وأحياناً، الإبادة العرقية. ليس لدينا أزمة هجرة، ولكن حتى إن كان لدينا، فقد أثبت التاريخ أن خطاب الأزمة، المقرون بطموح يشوبه العنصرية للقيام بعمليات ترحيل جماعي، قد أدى مراراً وتكراراً إلى الإضرار بالبعض بشدة، ومن المرجح أن يجلب لنا جميعاً العار.

*مُنظِّر سياسي في جامعة هارفارد

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا